للمسجد دور محوري في العمل المجتمعي، فهو يؤثر بشكل مباشر وفعال في حياة الناس وينسج ملامح أصيلة في علاقاتهم بالآخرين، يتدخل ببداهة في شؤونهم وفي أمور تبدو اليوم شديدة الخصوصية كالزواج والطلاق والصدقات وما إلى ذلك من أمور الحياة. واليوم أصبحت المساجد مجرد أماكن لأداء بعض العبادات، بينما صدى تأثيرها الواجب قد تقلص عن المطلوب. فلم هذا التراجع؟ ولمَ تخلت المساجد عن أدوار مجتمعية كانت نقاطا ايجابية وقوية في بناء المجتمع.

يوسف حسن

كان المسجد سابقاً ملتقى ومحفلا في حياة الإنسان يشكلها على أسس إيجابية ملموسة، فهو المكان الذي يجمع القلوب وفيه تتجسد ملامح «الحل والربط» فهو مسمى مجتمعي وتوجيهي لعب دوراً فعالاً في حل الخصومات ولم شمل الأسر على مدى قرون وعقود، أما اليوم فهو بالكاد يتشبث ببعض تلك الملامح القليلة.

ومن المؤكد إن دور المسجد تقلص كثيراً عما كان عليه في السابق، والسبب يكمن في واقع وطبيعة الحياة المعاشة، فملامح الحداثة والعمل والانشغال أتت على كل شيء، وسابقاً كان في (الفريج) الواحد مسجد وحيد يجمع أهل الحي كاملاً، أما اليوم فأصبح هناك 50 مسجداً ومصلى.

ناصر محمد

لا أحد يغفل الدور الديني والاجتماعي وحتى الاقتصادي الذي ظل يلعبه المسجد سابقاً في دولة الإمارات كما في كثير من الدول العربية، إلا أن الواقع الحالي لا يؤكد وجود حتى القليل من تلك الملامح التي كانت وترسخت في نفوس الكثيرين في صيغة فخر وقناعة.

الجميع بدا معجباً ومقتنعاً بما ظل يجسده المسجد سابقاً للمجتمع، حيث يتدخل في صميم العلاقات بين الناس، ويضع الحلول الناجعة للكثير من التساؤلات والمشكلات، وهو ما كان يلقى قبولاً من الجميع، أما اليوم فالكل منشغل بالوظيفة والعمل الحر والتوتر الشديد بسبب تشابك الحياة حتى أمسى الجيران وحتى الأقرباء شبه غرباء.

نبيل الكندي

آباؤنا وأجدادنا عاشوا فترة زاهية لدور المسجد في حياة الناس، فسكان (الفريج) سابقاً كانوا أقارب وأصدقاء ومعارف، يعيشون حالة تفاهم وتواصل، والمسجد ظل في مقدمة أولوياتهم، وحتى إمام المسجد كان من المنطقة نفسها، أما اليوم وقد أصبحت الإمامة وظيفة الحياة مهنة وعمل فقد اختلف كل شيء حتماً، ودور المسجد بالتأكيد لم يعد كما كان.

سابقاً وحينما كنا أطفالاً كان المسجد مقصداً دائماً لنا، فيه نلتحق بدورات تحفيظ القرآن الكريم ونستمع للدروس الدينية وندرس علوم الحديث، أما اليوم فأولوية الصغار والمراهقين تنحصر في جدران المولات وأورقه دور السينما، وإن جاز لك أن ترى صغيراً في المسجد يكون ذلك في يوم الجمعة فقط.

عمر جمعة

أرى أن دور المسجد في السابق كان قوياً بحكم أنه محط أنظار الصغار والكبار على حد سواء، أما اليوم فمن النادر جداً أن ترى الشباب والمراهقين يرتادون المساجد، والغريب أن الكثير من الآباء وحتى الأجداد اليوم لم يعودوا محافظين على أداء الصلوات في جماعة.

ويبدو أن مشاغل الحياة سرقت الوقت من الجميع وبالتالي تراجع البقاء في المسجد ومن ثم إنعاش الدور المجتمعي الذي كان يؤديه في السابق، فاليوم تجد الشباب منشغلين بالموبيل والسيارة والعمل والمال، وذلك على نحو يضعف حلقات التواصل بين جيلين، لذلك ظل المسجد أسير جدرانه بحكم أنه لا يحظى بتواجد وحضور شريحة الشباب والصغار كما يجب.

محمد زيادة

اليوم وللأسف لم يعد الكثيرون يملكون لأنفسهم بعضاً من الوقت للبقاء في أجواء الأسرة وحدود الأقارب وأهل الحي، وذلك لانشغالهم المبالغ في أمور الحياة المتشعبة، فالوظيفة والحداثة سرقتا من الكثيرين معظم وقتهم، حيث ترى الصغار والكبار لا يأتون إلى البيت أو إلى الحي الذي يسكنون فيه إلا في أوقات متأخرة من الليل، وهو ما يضعف أجواء التواصل بين الأجيال المتعاقبة والمساجد.

أنا أؤمن أن دور المسجد الاجتماعي حتى فترة قريبة كان فعالاً ومجدياً إلى حد يصل إلى وضع حلول ناجعة للكثير من المشكلات الأسرية المعقدة على سبيل المثال، واليوم نجد أبسط تلك المشكلات تزداد تعقيدا وتجول في أروقة المحاكم، وتلك مفارقة تؤكد حاجتنا إلى المساجد.

مسعود محمد

لم يكن المسجد يوما مجرد مكان للعبادة وحسب، وقد ترسخ في نفوس الكثيرين بكونه مؤسسة مجتمعية تعنى بحياة الناس عامة، فالجميع كان يؤدي دور الإمام أو خادم المسجد، وبين جدرانه ترسخت مواقف من الكبار والصغار على شكل عبر وعظات مجدية ورادعة.

فبالأمس كان الأب يذهب للصلاة في المسجد مصطحبا أبناءه وأبناء أشقائه وحتى أبناء الجيران في حال توعك الأب الجار أو سفره أو عمله بنظام (الشفتات) مثلا، أما اليوم فنادراً ما تجد صغيراً يقصد المسجد مع أبيه، وأكثر من ذلك فقلما تجد الآباء يواظبون اليوم على أداء الصلوات في جماعة، إذن من الطبيعي أن يتقلص الدور الاجتماعي الواجب للمسجد.