في هذة المقالات التي ينشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.صدمت الرأي العام الغربي عندما ظهرت امرأة ألمانية، تضع شالاً وقوراً على رأسها، في مقابلة تلفزيونية تدافع عن الإسلام والمسلمين ضد سلمان رشدي، فلم تكن تلك السيدة المبجلة مسلمة.

بل مسيحية لكنها منصفة للإسلام وللمسلمين لأنها تعرفهم من الداخل، فقد أمضت ثمانين عاماً من عمرها وهي تدرس علوم الإسلام وآدابه. فلم يكن ذلك الموقف غريباً على المستشرقة المعروفة، والملقبة بعميدة الاستشراق الألماني، كما وصفها الفيلسوف المصري الراحل عبد الرحمن بدوي.فقد تعرفت على الإسلام منذ سنوات صباها المبكرة، وظلت مخلصة لقيمه ومبادئه وواصلت البحث في تراثها حتى رحيلها. وهي صاحبة القول «جذبني الشرق منذ طفولتي وسأظل أحب العالم العربي والإسلامي حتى مماتي». فهل يوجد أكثر من هذا الإخلاص؟

تنحدر آنا ماري شيميل من أصول بروستانتية، ومن أبوين ينتميان إلى الطبقة الوسطى، ويتمتعان بثقافة رفيعة. كان والدها يعمل في البريد وأمها تنتمي إلى عائلة تعمل في تجارة البحر.

وعندما تتذكر خصال والدها، تقول عنه« كان أبي رجلاً رائعاً مليئاً بروح الدعابة والفكاهة». أما أمها، التي لم تحظ على أي قدر من التعليم، كانت تعتبر ابنتها طفلة أحلامها. وعلى الرغم من ذلك، كان منزلها يعبق بعطر الشعر والأدب.

محمد اقبال .. شاعر الخلود

بدأت دراستها في جامعة برلين في عام 1939 في الـ 17 من عمرها أثناء فترة الحكم النازي. وحازت على لقب الدكتوراه في اللغات والحضارة الإسلامية في عمر الـ 19 من عمرها. وهذا ما أتاح لها أن تجد وظيفة في وزارة الخارجية الألمانية وتدرس الأدب في أوقات فراغها.

وتمكنت أن تصبح في عمر الـ 23 عاماً أستاذة اللغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة ماربورغ. وعبرت عن آرائها في هذا الصدد، بقولها «لقد جذبني عالم الشرق منذ كنت طفلة، بدأت أتعلم اللغة العربية وعمري خمسة عشر عاما، وسأظل أحب العالم العربي والإسلامي حتى وفاتي».

أما تعيينها في منصب أستاذة التاريخ والدين في جامعة أنقرة بتركيا، فقد أحدث نوعاً من الانقلاب في حياتها وفتح لها آفاق لم تكن تحلم بها، ومن شدة تعلقها بهذا البلد، فقد أمضت خمس سنوات في التدريس باللغة التركية. وهناك تعرفت على التقاليد الصوفية وتعبيرا عن إعجابها بالشاعر والمفكر الباكستاني محمد إقبال، ترجمت كتابه الهام«الخلود» إلى الألمانية في عام 1958.

وبعد عام ترجمت الكتاب ذاته إلى التركية، كما أصدرت كتابين الأول بعنوان «جناح جبريل» والثاني بعنوان «محمد إقبال شاعر وفيلسوف نبوي». وقامت بترجمة ديوانه «رسالة الشرق» الذي صدر في عام 1923 إلى الألمانية، وهو بمثابة رد على «ديوان الشرق والغرب» للشاعر الألماني غوته.

وتقديراً لأعمالها، كرّمت ألمانيا الشاعر الباكستاني بإطلاق اسمه على الشارع الذي أقام به في مدينة هايدلبرج التي حصل من جامعتها على درجة الدكتوراه في الفلسفة. وقامت الباكستان بالمثل بإطلاق اسم آنا ماري شيميل على أحد شوارع لاهور المهمة، وكرّمتها بأرفع الجوائز.

وكتبت عن محمد إقبال، وما ذهب إليه من أفكار بأن القومية في أوروبا أدت إلى إشعال نيران الحروب، وهو ما جعله يرى في الإسلام قوة رائدة توحد بين البشر جميعاً في إطار من المحبة والأخلاق.

هاجمها الإعلام والمثقفون الألمان

ولم تتوقف مؤلفاتها عند ترجمة الآداب، بل عالجت في العديد من كتبها مبادئ الإسلام ومبادئه من خلال دراسة القرآن الكريم والحديث الشريف والصوفية. وبعد المرحلة التركية، انتقلت شيميل في عملها كأستاذة للدراسات الإسلامية واللغات الشرقية إلى عدد من جامعات ألمانيا وأوروبا وأميركا وسوريا وتركيا وباكستان.

وتمكنت أن تتسلق بسرعة خاطفة السلم الأكاديمي، لتتقلد منصب أستاذة الثقافة الهندية الإسلامية، وأستاذة الشرف في جامعة بون، وعضوة في جامعة هارفرد. وحازت على جوائز عديدة منها: جائزة ليبولد لوكاش وجائزة السلام للكتاب الألماني.

وخلال هذه الفترة أصدرت مجموعة من كتبها المهمة حول الإسلام أهمها: «إن الملك لك.. أدعية من الإسلام»، و«عالم الإسلام رحلة من الأعماق». ولكن كتابها الأساسي هو «محمد رسول الله» بالألمانية والإنجليزية الذي عبرت فيه بصدق عن تقديرها لهذه الشخصية العظيمة ما أثارت وسائل الإعلام الألمانية ضدها، فكان ردها عليهم منطقياً.

وفي الوقت ذاته، أثارت آراؤها الداعمة للإسلام العديد من المثقفين والكتاب الألمان، منهم الروائي الحائز على جائزة نوبل غونتر غراس والفيلسوف غورغين هامبرماس، اللذان أدانا منحها جائزة السلام للكتاب الألماني، بقولهما«إن المستشرقة الألمانية آن ماري شيميل كانت تحل ضيفة مُرحب بها في الأنظمة الإسلامية الشمولية مثل إيران.

كما أن أعمالها لا تتضمن أية إشارة إلى حقوق الإنسان في تلك البلدان». فضلاً عن ذلك، فإنها اتهمت بالأصولية ومناصرة التطرف الإسلامي بسبب هجومها على سلمان رشدي، ورثاؤها للرئيس الباكستاني الراحل محمد ضياء الحق. فيم يكن الاستشراق بالنسبة لها فرعاً يدرس اللغات والآداب الشرقية وإنما موقف الغرب من الشرق.

ويعتبر كتابها عن الرسول محمد (ص) لأنها تعتبره رمزاً للإسلام استخدمت فيه أساليب ومصادر متنوعة، من أجل تقريب فكرته إلى القارئ العام. وعالجت شخصيته من خلال تفاصيل حياته في ترسيخ تعاليم الإسلام.

ولم يقع كتابها ضمن كتب السيرة التي درج الباحثون الغربيون على تأليفها. ومن الأساليب التي استخدمتها هو الأسلوب الشعري للتقرب من هذه الشخصية العظيمة باعتباره قدوة ورمزاً ومثالاً روحياً يجد فيه المؤمنون ملاذاً روحياً آمناً.

وعددت أسماء الرسول محمد (ص)، وناقشت فكرة (نور محمد) باعتباره رمزاً كونياً وعالمياً. واعتبرت المولد النبوي احتفالية دينية مهمة بالنسبة لها وحاولت أن تقربه من اهتمامات القارئ الغربي.

وقدمت المستشرقة آن ماري شيميل دراسة جديدة من نوعها في دراسة القرآن الكريم، والذي اعتبرته من منهل لا ينتهي من الرموز والمعاني، علاوة على احتوائه على كنز من الشعر والصور وفن التعبير الاعجازي. ومعانيه في الفن التشكيلي زاخرة بالزخارف وفن الأرابيسك والرسم الهندسي وإبداع الخطوط. وتطرقت المستشرقة إلى الخط القرآني المكتوب على الرق«الجلد» وزخرفة الحروف والنحت على الحجر وعلى قباب المساجد.

جلال الدين الرومي والصوفية

ودرست الأدب العربي، وكانت معجبة بالشاعر الصوفي الكبير جلال الدين الرومي الذي تناولته في دراستها من خلال أربعة محاور، وهي: الخلفية التاريخية وحياة الشاعر الصوفي والتقليد الشعري والإلهام والشكل، وبحث في الصور المجازية التي تجسد صوفيته عبر لغته ومفرداته ورمزيته.

وللمستشرقة وجه آخر، أكثر دفئاً وحرارة من الدراسات النظرية، وهي كونها شاعرة إلا أن استغراقها في البحث جعلها تنسى أنها شاعرة. وقد نقلت إلى العربية الشاعرة أمل الجبوري 38 قصيدة من شعرها.

وتدور قصائدها عن الثقافة العربية والإسلامية، وتراث الشرق وأساطيره. وقد نشرت هذه القصائد عام 1978 تحت عنوان «مرآة قمر شرقي» وتقول آن ماري شيميل إنها كتبت هذه القصائد بين عامي 1974 و1994 متأثرة في المقام الأول بأعمال جلال الدين الرومي.

أما النصوص الأخرى، فان بعضها يعكس القصص الشعبية الباكستانية، وعلى وجه التحديد التقاليد السندية حيث وظفت في ذلك الزمان هذه الحكايات في شعر وادي الاندوس السفلي لتمثل تجارب الروح العاشقة لذلك الآخر الذي حاول التعايش مع الغرب.

واستخدمت المستشرقة الألمانية التخييل التصويري في وصفها لهذه الشخصية العظيمة من خلال شروحات كثيرة. لذلك تميز كتابها بوضوح شديد، مشفوعا بنظرة تاريخية وجغرافية. فهو كتاب مفيد للقراء الغربيين الذين يهتمون بتاريخ الأفكار والمشاعر عبر العصور.

شاكر نوري