منذ أن ارتقت في عمرها إلى السبعة أعوام، تحملت أعباء الحرمان من ملذات الطفولة والتحقت بركب الصائمين عن قناعة والتزام.. كانت حينها على أعتاب الانتظام في المدرسة بالصف الأول التأسيسي، وقد جلست معها والدتها وأخبرتها بضرورة البدء بصيام شهر رمضان حينها، أي قبل عقود ماضية، وفي تلك الفترة بالتحديد جاء رمضان في وقت الصيف كما هذه الأيام.
منذ ذلك الحين لم تبخل راية المحرزي الرائدة في العمل التطوعي والديني والاجتماعي في هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية، على نفسها التعهد بإكمال صيام شهور رمضان على مدى سنوات طويلة متتالية، وخلال تلك الفترة غير القليلة عايشت المحرزي لحظات لا تتركها ذاكرة.. فيها ملامح كثيرة من المعاناة والصبر والتحمل والالتزام، كيف لا وقد تزوجت المحرزي في عمر الحادية عشر عاماً.
مواقف رمضانية
راية المحرزي التي ولدت وترعرعت في مدينة خورفكان، تسجل في ذاكرتها مواقف رمضانية كثيرة، لعل في مقدمتها ما حصل معها في الأيام الأخيرة من رمضان قبل أكثر من عشرة أعوام، وقد سكنتها رغبة في أداء رحلة العمرة في رمضان، وأخبرت زوجها بذلك، الذي بدوره قال لها إن الواقع المادي لا يسمح حالياً..
وإن كان الله عز وجل قد كتب لك العمرة فحتماً ستذهبين، ولم تمضِ أقل من ساعة حتى جاءها اتصال من طرف إحدى الشيخات، التي طلبت منها أن تسافر معها في رحلة عمرة.
انتاب المحرزي شعور إيجابي مفعم بالمفاجأة، وهي تراجع مع زوجها رغبة كانت تبديها قبل أقل من ساعة في السفر لأداء العمرة.. صمتت قليلاً ثم استشارت زوجها في ذلك، وسريعاً سافرت وأدت العمرة مرتين، وما أن عادت إلى الإمارات حتى جاءها اتصال من امرأة أخرى تطلب منها مرافقتها في العمرة ثانية، ثم عادت المحرزي وأدت العمرة مرتين، وبذلك أكملت أداء العمرة أربع مرات وهي التي تمنتها مرة واحدة، فتلك ذكرى رمضانية إيجابية لم تغفلها ذاكرة المحرزي يوماً.
صبر وقناعة
موقف آخر عايشته المحرزي في رمضان وتتجلى فيه أسمى معاني الصبر والطاعة والولاء، وهو حينما تزوجت وهي في عمر أحد عشر عاماً، وانتقلت من بيت والدها إلى بيت زوجها، حيث كانت تعيش مع عائلتها في بيت فيه الكهرباء والماء ومختلف متطلبات الحياة الأخرى، قبل أن ترحل إلى بيت زوجها فتجده بلا كهرباء ولا ماء ويفتقر إلى أدنى متطلبات العيش، لكنها آثرت الصبر والقناعة وتعايشت مع واقع زوجها الذي اعتبرته واقعها أيضاً، وذلك على الرغم من أن الفصل حينها كان شتاءً وفيه من البرد ما يؤذي، فتحملت كل تلك الصعوبات التي كانت في أول رمضان تعيشه مع زوجها.
مطلع التسعينات وقد كانت الأيام الأخيرة من شهر رمضان، جلست راية المحرزي في ليلة القدر تدعو ربها أن يرزقها الحج في الموسم القريب، وصباح اليوم التالي جاءها هاتف من شخص يعرف نفسه أنه من بعثة الحج الرسمية في الدولة، ويخبرها أنه وقع عليها الخيار لأن تكون أول امرأة مرافقة للبعثة الرسمية للحج والعمرة.
ومنذ ذلك الحين أصبحت المحرزي مفتشة ومرافقة لبعثات الحج الرسمية واستمرت عشرة أعوام على هذا المنوال، وهي إلى الآن تشعر بروحانية عالية تجاه الشهر الفضيل، الذي بفضله تحققت مختلف أمنياتها في أداء فريضة الحج والعمرة لمرات كثيرة، وقد دعت الله أن تنالها مرة واحدة فقط.
وتتذكر راية المحرزي مواقف كثيرة جميلة عايشتها على امتداد شهور رمضان المتعاقبة، فقديماً كانت البيوت تفتح على مصراعيها وتنتشي ببركة تلاوة القرآن في المجالس من فترة بعد صلاة العصر وحتى بعد منتصف الليل، وكانت النساء تجتمع معاً لإكمال ما تسمى «ختمة القرآن»، فيما ظلت ملامح استقبال الشهر الفضيل على مدى سنوات ماضية كثيرة، مفعمة بأجواء العبادات والروحانيات المميزة، وهو ما أبقى رمضان مشتعلاً بذكريات لا تذبل أو تلغى من ذاكرة من عايشها.
دبي ـ عنان كتانة
