في هذة المقالات التي ينشرها «البيان» على مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.
ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.لم يكتف بدراسة الطب والفيزياء وعلم النفس بل انطلق في رحلة لزيارة أوروبا وآسيا وأفريقيا الشمالية ما بين 1860 و1880، من أجل اكتشاف العالم. ولكن أبحاثه لم تقتصر على تلك الميادين التي برع فيها.
بل انطلق في دراسة حضارة العرب والمسلمين، اعترافاً منه بفضل حضارتهم على تقدم الغرب، ليؤلف كتاباً هاما بعنوان «حضارة العرب» في عام 1884 ليكون مصدراً أساسياً لفهم الأوروبيين للحضارة العربية والإسلامية، فتميز كتابه برأي منصف ومغاير لكل ما كُتب من مؤلفات ضد العرب والمسلمين. هذا العالم هو غوستاف لوبون الذي ولد في نوكيت لوروترو، بالقرب من مدينة شارت الفرنسية عام 1841 ، وجنى الأموال من أجل الاستمرار في أبحاثه العلمية. وحقق كتابه «القوانين السيكولوجية لتطور الشعوب» نجاحاً عالمياً واسعاً نظراً لما أورد فيه من معلومات جديدة في مجال علم النفس حيث اعترف به كبار علماء النفس في زمانه.
وهو بالإضافة إلى ذلك، تميز بأسلوبه الشعبي في التأثير على القراء وجذبهم. وأصبح كتابه الآخر «سيكولوجيا الجماهير» من الكتب الأكثر مبيعاً. ولم يقتصر على النظريات بل أطلق في عام 1902 سلسة من المقالات الأسبوعية التي دعا فيها القراء للمشاركة في مناقشة نظرياته وآرائه.
ومن أهم أسباب نجاح هذا الباحث والمستشرق أنه أقام شبكة علاقات واسعة مع شخصيات مهمة في عصره أمثال هنري ورايموند بوانكاريه، وهم أبناء عمومة الرئيس الفرنسي حينذاك، وكذلك مع الشاعر المعروف بول فاليري والفيلسوف هنري برغسون.
وكان غوستاف لوبون يجمع بين العلم والإيمان، فكتابه «تطور المادة» حاز على نجاح شعبي لا نظير له، لدرجة أنه طًبع منه اثنتي عشر طبعة. واكتشف فيه نوعاً جديداً من الانبعاث أطلق عليه «الضوء الأسود» في عام 1896 .
وكان من بين المستشرقين المعجبين بشخصية الرسول محمد(ص)، حيث قال فيه: « لقد جمع الرسول محمد (ص) قبل وفاته كلمة العرب، وبنى منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد، فكانت في ذلك آيته الكبرى».
وعلى الرغم من تعلقه بالأبحاث العلمية في علم الاجتماع والنفس في آن واحد، إلا أن رغبته في التعرف على العرب والمسلمين لم تتوقف. فقد عالج غوستاف لوبون في مؤلفاته أهم قضيتين في الإسلام هما:
المرأة والرق، وهي من القضايا التي أثارت لغطاً كبيراً في الغرب، فكانت له آراؤه المتقدمة لوضعية المرأة الشرقية إذ يرى أن «عمل المرأة عند الشرقيين يتركز في تربية الأسرة، فالإسلام رفع المرأة من الدرك الأسفل الذي كانت فيه، خلافاً للاعتقاد الشائع عند الغالبية».
أما رأيه في الرق، فيقول عنه: «إن الذي أراه صادقاً هو أن الرق عند العرب (أي المسلمين) خير منه عند غيرهم، وأن حال الأرقاء في الشرق أفضل من حال الخدم في أوروبا، وأنهم يكونون جزءاً من الأسرة». ويمكن التعرف على آرائه الصريحة في العرب والإسلام من كتابه القيم «حضارة العرب»، ولعل مقتطفات منه مفيدة في هذا المجال.
مقتطفات من كتابه «حضارة العرب»1884
طرح العالم والمستشرق غوستاف لوبون جملة من الآراء المنصفة عن الإسلام في كتابه «حضارة العرب» في وقت مبكر من عام 1884، وأثار عاصفة من الجدل.
يقول غوستاف لوبون في مقدّمة كتابه، قائلاً: «وكلّما أمعنّا في درس حضارة الإسلام والعرب وكتبهم العلميّة واختراعاتهم وفنونهم، ظهرت لنا حقائق جديدة وآفاق واسعة، ما رأينا أنّ المسلمين أصحابالفضل فيمعرفة القرون الوسطي لعلوم الأقدمين وأنّ جامعات الغرب لم تعرف لها مدّة خمسة قرون مورداً علميّاً سوي مؤلّفاتهم».
ويذهب إلى »أنّ الغرب وليد الشرق، ولا يزال مِفتاح ماضي الحوادث في الشرق، وتبدو الفنون واللغات وأكثر الديانات العظمي بارزةً فيالشرق، ويختلف سكّان الشرق الآن عن سكّان البلدان الأخرى في المبادئ والآراء والمشاعر».
وعن تكيف الإسلام لاستقبال العلوم والاكتشافات، يقول غوستاف لوبون إن «الإسلام من أكثر الديانات ملائمة لاكتشافات العلم، ومن أعظمها تهذيباً للنفوس، وحملاً عل؟ العدل والإحسان والتسامح. وحين نبحث في فتوحات المسلمين وأسباب انتصاراتهم، فإنّنا سنري أنّ القوّة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن، فقد ترك المسلمون المغلوبين أحراراً في أديانهم».
ومن أهم آرائه أن سبب انتشار الإسلام على نطاق واسع يعود إلى تحليه بالعدل والإحسان «فإذا حدث أن اعتنق بعضُ الأقوام النصرانية الإسلام واتخذوا العربية لغة لهم فذلك لما رأوه من عدل العرب الغالبين مما لم يروا مثله من سادتهم السابقين». ويعود ذلك في نظره إلى الحنكة التي تميز بها الرسول محمد (ص) في قيادته «.. لا شيء أصوب من جمع محمد (ص) لجميع السلطات المدنية والحربية والدينية في يد واحدة أيام كانت جزيرة العرب مجزأة».
وركز على التسامح الذي تميز به الإسلام « فلما دخل أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه، القدس أبدى من التسامح العظيم نحو أهلها ما أمِنوا به على دينهم وأموالهم وعاداتهم ولم يفرض عليهم سوى جزية زهيدة».وتحدث عن تعامل عمرو بن العاص رضي الله عنه مع أهل مصر فقد عامل الفلاّحين بما لم يعرفوه من العدل والإنصاف، وهي الأخلاق ذاتها التي تميز بها الفاتحون في اسبانيا، كان عرب إسبانيا خلال تسامحهم العظيم يتصفون بالفروسية المثالية فيرحمون الضعفاء ويرفقون بالمغلوبين.
فالحق أنّ الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ولا دينًا سمحًا مثل دينهم وما جهله المؤرخون من رحمة العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحهم وفي سهولة اعتناق كثير من الأمم لدينهم ونظمهم ولغتهم التي رسخت وقاومت جميع الغارات وبقيت قائمة حتى بعد تواري سلطان العرب عن مسرح العالم».
«وبينما كان الصليبيون يخربون الديار، كان العرب يشيدون البنيان وينشرون العمران ويستردون ما أضاعوا من بلاد وديار. ويظهر في هذا الأوان صلاح الدين الأيوبي وما هو إلا عربي أو مستعرب عظيم فيضع نصب عينيه إنقاذ القدس وفلسطين من أيدي الغربيين فيخوض غمار الحرب مندفعاً باسم الله والإنسانية ويأسر الملك دولوزينيان ويستعيد القدس سنة 187 ويضع حداً لأعمال السلب والنهب التي ارتكبها الصليبيون.
فلم تعش مملكتهم اللاتينية في الشرق أكثر من ثمانية وثمانين سنة. وقد تبع ذلك حملات غربية أخرى بلغ عددها ست حملات جهزت لزحزحة العرب عن فلسطين دون جدوى لقد استمرت الحملة الثانية ما بين 1192 و1198 وقد تزعمها فيليب أوغست ملك فرنسا وريتشارد قلب الأسد ملك انكلترا وفردريك بابروس إمبراطور ألمانيا أي أكابر سلاطين أوروبا كلها.
وكان الغرب آنذاك غارقاً في الجهالة، غائصاً في البربرية فقد رأيناهم في حروبهم يرتكبون أعمالاً فيها منتهى الضراوة والوحشية والسفك والتدمير وكانوا ينزلون الدمار وينشرون الخراب حيثما حلوا، ويسلبون وينهبون من يلاقوه عدواً كان أم حليفاً، مسالماً كان أم محارباً.
فقد أبادوا في القسطنطينية التي حالفتهم الكنوز العديدة التي خلفتها الحضارة اللاتينية اليونانية.وكان من جراء الوحشية التي اتصف بها الصليبيون أن أبعدوا شقة التفاهم والمسالمة بين الغرب والشرق إذ رأى الشرق فيهم أقواماً غلاظاً متوحشة وضارية بعيدة عن تفهم روح الأديان السمحة فازدادت الهوة بينهما اتساعاً وعمقاً». (ترجمة وتحقيق: عادل زعيتر، القاهرة).
شاكر نوري


