بعد الضجة الكبيرة التي أحدثها الإعلان عن تطوير أول خلية اصطناعية أخيراً، يتجه اهتمام الأوساط العلمية الآن إلى إنجاز آخر في المجال نفسه، ألا وهو تطوير أحشاء اصطناعية. وهناك تكهنات بأن الوظيفة الأساسية التي ستقوم بها هذه الأحشاء ربما تكون مفتاح الحرية بالنسبة لما يعرف بالروبوتات المستديمة ذاتياً.
وفي محاولة لإيجاد مثل هذه الروبوتات المستقلة ذاتياً، تحول الباحثون إلى تسخير الكتلة الحيوية كمصدر طاقة. وإذا تمكنت الروبوتات من إطعام نفسها بنفسها، فسوف يجعلها هذا قادرة على العمل لفترات أطول من دون تدخل البشر.
ولقد تم في الماضي استعراض بعض الروبوتات التي تقتات على الغذاء، وكان معظمها يولد الطاقة بمساعدة خلايا الوقود الحيوي، وهي عبارة عن أجهزة بيو- كهروكيمائية تستخدم زرعات بكتيرية لتفكيك الغذاء وتوليد الطاقة. لكن حتى الآن لم يعالج أحد عقبة إيجاد طريقة لإخلاء الفضلات التي تنتجها تلك الكائنات الدقيقة.
وكان تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى أحشاء اصطناعية، كما يقول كريس ميلهويش، مدير مختبر بريستول روبوتيكس البريطاني. ولقد أمضى ميلهويش ثلاث سنوات مع زملائه في العمل على هذا المفهوم، وكانت النتيجة ولادة الروبوت الإيكولوجي الثالث أو «الإيكوبوت 3» والذي يعتبر أول مثال حي لروبوت يعمل على طاقة الكتلة الحيوية ويمكنه الاشتغال من دون مساعدة لبعض الوقت.
ولقد أثبتت التجسيدات السابقة للإيكوبوت أن من الممكن توليد ما يكفي من الطاقة للروبوت لكي يقوم ببعض التصرفات الذكية، وإن كانت بسيطة، مثل التحرك باتجاه مصدر الضوء. لكن كان لابد من التدخل البشري لإزالة فضلات الوجبات الحيوية التي تناولها الروبوت.
والآن من خلال إعادة تصميم الروبوت بحيث يتضمن قناة هضمية اصطناعية، أثبت الإيكوبوت 3 أن بمقدوره البقاء في حالة نشاط وتيقظ لسبعة أيام، متناولاً طعامه وشرابه من دون مساعدة. وهو يقوم بتفريغ فضلاته في حاوية مسطحة خاصة مرة كل 24 ساعة.
ويقول أيوانيس يروبولوس، الذي شارك في المشروع أيضاً: ان أهم عنصر في آلية عمل هذه القناة الهضمية هو استخدام نظام إعادة تدوير يعتمد على مضخة تمعجّية تعمل على الجاذبية، شبيهة بالقولون البشري، لتطبّق موجات من الضغط تعمل على إخراج المواد غير المرغوب بها من القناة الهضمية الآلية.
وفي بداية عملية الهضم، يطعم الروبوت نفسه عن طريق الاقتراب من ماكينة تحتوي على الغذاء، والالتحام بها حيث تضخ بعد ذلك سائلاً غنياً بالمواد المغذية من مياه الصرف الصحي المعالجة جزئياً عن طريق «فمه»، حيث يتم من هناك توزيع السائل إلى 48 خلية وقود حيوي منفصلة موزعة داخل الروبوت. هذا السائل عبارة عن مزيج من المعادن، الأملاح، خلاصة الخميرة والمغذيات الأخرى. ومع أن هذا المزيج قد لا يبدو شهياً بالمرة، فإنه يعتبر طعاماً فاخراً بالنسبة للميكروبات المستزرعة في معدة الروبوت.
وتتمحور العملية حول تفاعل «أكسدة واختزال» يجري في حجرة القطب الموجب لكل خلية وقود حيوي بداخل الروبوت. فبينما تستقلب البكتريا المادة العضوية، ينتج عن ذلك ذرات هيدروجين، وتهاجر إلكترونات الهيدروجين إلى القطب الكهربي، مولدة تياراً كهربائياً، بينما تعبر شوارد الهيدروجين من خلال غشاء خاص إلى حجرة القطب السالب في الخلية، والتي تحتوي على الماء.
وهنا يتحد الأكسجين المنحل في الماء مع البروتونات لينتج جزيئات ماء إضافية. وبما أن مؤونة الماء هذه تتبخر تدريجياً، فإن الروبوت يحتاج أيضاً إلى الشرب بشكل منتظم، ولذلك يتجه إلى ماكينة أخرى خاصة بالمشروبات.
وقد تم ترتيب خلايا الوقود الحيوي في طبقتين على نحو يتيح تسخير قوة الجاذبية لتوجيه أية مواد ثقيلة غير مهضومة للتجمع في حوض مركزي. ويتم إعادة تدوير محتويات هذا الحوض مراراً لاستخلاص أكبر كمية ممكنة من الطاقة منها، قبل طرحها خارج جسم الروبوت.
ولا تحول عملية طرح الفضلات بهذه الطريقة دون امتلاء وانسداد خلايا الوقود فقط، بل تفيد أيضاً في التخلص من أية فضلات حمضية ناتجة عن الهضم ربما من شأنها تسميم البكتيريا.
وفي المقابل فإن الروبوت «إيتر» سوف يستمد طاقته من حرق الوقود الحيوي بدلاً من التهامه. وباستخدام محرك احتراق مبتكر جديد من نوعه، طورته شركة سايكلون بارو تكنولوجي في فلوريدا، يأمل روبرت فينكيلستاين، الذي يتولى رئاسة المشروع، أنه عند تجميع «إيتر» واختباره بعد أسابيع قليلة، فسوف يولد ما يكفي من الطاقة ليقطع 160 كيلومتراً مستهلكاً 60 كيلوغراماً من الوقود الحيوي. وفي ما يتعلق بالقيمة السعرية للوقود، تعتبر هذه الكفاءة أفضل من كفاءة معظم السيارات، كما فينكلستاين.
إعداد: علي محمد
