عاش سعيد خلف علي الريامي ذكريات حافلة بالأحداث المختلفة، خاصة في أيام طفولته، وصام وعمره سبع سنوات، واليوم تجاوز عمره الستين، ويقول عن ذكرياته الرمضانية بأنها لا تختلف عن ذكريات الأطفال الآخرين، الذين كانوا في سنه، فالحياة في البيئة الخليجية واحدة، وإن وجد اختلاف فهو في اللهجة فقط، حيث للإماراتيين لهجتهم ومفرداتهم، وللعمانيين أيضا لهجتهم الخاصة، إلا أن العادات والتقاليد واحدة في المنطقة، ورمضان عادة يحمل في طياته ذكريات عديدة، خاصة في الصوم.

علمته الصوم

يقول سعيد الريامي: علمني والدي الصوم وعمري سبع سنوات، وتعودت على الصيام من يومها، واليوم أتذكر ذلك الموقف الذي مررت به وأنا طفل، حيث وقفت تحت شجرة مثمرة وبقيت آكل منها غير منتبه إنني صائم، وعندما حكيت لجدتي ذلك حيث كنت أعيش معها، ردت علي بأن أكمل صيامي، وأن لا شيء ضرني، بل أضافت قائلة بأن ربي أطعمني، وهكذا علمتني كيف أحافظ على صيامي وصلاتي، فالتشجيع يأتي من الكبار.

وعلى الصغار أن يتعلموا منهم، فهم الأكثر تجربة في الحياة، والصوم ركن من أركان الإسلام، وهذا التأكيد غرسه الكبار في عقولنا قبل قلوبنا، وعلمونا كيف نحافظ على صومنا، ولو في أقسى الظروف، مع أننا كنا نصوم غالبا في درجة حرارة مرتفعة، وليس هناك كهرباء أو أجهزة تكييف، حيث عرفنا الكهرباء في الثمانينات من القرن الماضي، ولكن في تلك الأوقات العصيبة.

وفي ظل تلك الظروف القاسية، كنا نشعر بشهر رمضان ورحمته، ونصومه بإيمان وعزيمة قوية، بل إننا نكثر من قراءة القرآن الكريم في المسجد، وكان الأهل حريصين على أن نختم القراآ الكريم في شهر رمضان أكثر من مرة، ولذلك يكثر التنافس بين أبناء الحي، أيهم يختم القران أكثر من مرة.

الألعاب والوقت

ويضيف قائلا: في أوقات العصر أو بعد الإفطار وصلاة المغرب، كنا نجتمع أنا وأصدقائي في الحي لنلعب الألعاب الشعبية، وهناك ألعاب كثيرة ومتنوعة كان يمارسها أجدادنا في الماضي، منها ما يلعب في الساحات والبراحة وبين السكيك، والبعض الآخر يلعب على الشاطئ، ومن هذه الألعاب التي كنا نمارسها لقضاء الوقت، «موتر بودست» .

وهو عبارة عن إطار معدني لدراجة هوائية يقوم الصبي بدفع هذه العجلة، وسباق الركض، و«كوك»، و«قب ومسطع»، كرة القدم، و«غميضة»، ومن ألعاب الشاطئ «الكوتيه» أو «المركوب» كما كنا نمارس صيد طيور البحر، وصيد القباقيب «سرطان البحر» هكذا كنا نقضي الوقت، وبعد ذلك نذهب لصلاة العشاء والتراويح، ثم نعود لمنازلنا للنوم مبكرا، حيث لا يوجد تلفزيون في ذلك الوقت، ولا وسائل للترفيه سوى الألعاب الشعبية التي كنا نمارسها، وفي الصباح نذهب إلى الكتاتيب حيث يعلمنا المطوع حفظ القرآن الكريم.

الكتاب والمطوع

وما زال الريامي يتذكر أيام رمضان في الطفولة، حيث يقول: من الذكريات التي لا تنسى في رمضان، طريقة التعليم حيث كان التعليم عند المطوع يبدأ عند الأولاد من سن الخامسة، وكنت أقوم بتسديد أجر المطوع بحسب حالتي المعيشية، حيث يختلف الأمر من أسرة إلى أخرى، وهناك شيء يسمى حظ المطوع، والذي يكون عبارة عن أرز أو طحين، ومن النقود بيزيتن أو روبية.

وهذه تسدد عند التحاق الطفل للكتاب، وعندما يحفظ الطفل جزءاً من القرآن، يعطى للمطوع مبلغ من المال، ويعطى له أيضا في النصف من شعبان مكسرات أو حلويات متنوعة، وهذه كنا نطلق عليها حق الله، وعندما نحفظ أجزاء من القرآن، وهذه نسميها «الهدة» أو «هد ربعه» أي انه بحفظه للقرآن الكريم، هد زملائه لأنه استطاع التفوق عليهم بدراسته.

ومن الأشياء التي أتذكرها في طفولتي، هو ذلك العقاب الذي كان المطوع يلقنه للأطفال المقصرين في دروسهم، أو من يحدث فوضى أثناء تأدية المطوع عمله، وكانت «الفلقة» وسيلة العقاب، إضافة إلى الضرب على راحة اليدين، أو أسفل القدمين، ويستعمل المطوع عصا مصنوعة من الخيزران أو من الجريد، ولم ينجُ طفل من هذا العقاب، فالمطوع يملك الحق في ذلك، ويعطى له الإذن من ولي أمر الطفل.

شهر الرحمة

ويقول سعيد الريامي: في رمضان الحياة تأخذ شكلاً مختلفاً، فالأهل والأقارب في تزاور مستمر، بل تكثر الزيارات في هذا الشهر، حيث يعتبر شهر رمضان من الشهور التي تجمع ولا تفرق، وشهر الرحمة ومنه تتواصل الأرحام، كذلك كانت الأطباق تنتقل من بيت إلى بيت، وكان آباؤنا يحملون معهم الهريسة والأرز بالسمك وكل ما تم طهيه في البيت ويذهبون به إلى المسجد.

حيث يأتي كل رجال الحي، ويفطرون بشكل جماعي، وهذه هي من عادات أهل المنطقة، وكنت وأنا صغير أحمل الأطباق المختلفة من الأكلات الشعبية، لبيت الجيران والأقارب، وكذلك للمسجد حيث أمام المسجد يأتيه إفطاره من أهل الحي، وكل بيت مقتدر يبعث له بأكل معين، وهي عادة اعتادت عليها الأسر في شهر رمضان.

دبي - جميل محسن