على مساحة 500 ألف متر مربع، وفي منطقة إستراتيجية تقع بين جسري المصفح والمقطع، وعلى ربوة ترتفع عن سطح البحر بنحو 11 متراً، يقف مسجد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد في أبوظبي، تحفةً فنية ومعمارية، ومعلماً بارزاً من معالم الحضارة الإسلامية والعربية.
ولا يملك زوار مدينة أبوظبي أو المقيمون فيها ممن تقع عيونهم على مآذن المسجد الشامخة، للوهلة الأولى لدى زيارتهم مدينة أبوظبي، ورؤيتهم هذا الصرح العظيم، الذي يعد ثالث أكبر المساجد في العالم، من حيث المساحة، بعد الحرم المكي ومسجد المدينة المنورة... لا يملكون إلا قراءة الفاتحة على روح الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والدعاء له بالمغفرة والرحمة، سائلين المولى عز وجل، أن يجعل هذا الصرح العظيم، في ميزان حسناته، وضمن الأعمال التي تبتغي مرضاة المولى. كما لا يسعهم إلا أن ينظروا بعين الإعجاب الشديد، لهذا الصرح الخالد، الذي يؤمه المصلون من كل أرجاء الدولة، كما يفد إليه السياح للتعرف على السمات الأساسية للمعمار الإسلامي الأصيل.
صرح معماري
وفي الأمسيات الرمضانية التي تحفها الملائكة، وتخيم عليها سكينة النفس، يزداد المسجد تألقاً وإشراقاً، حيث يعج بالمحاضرات الدينية التي يلقيها كبار رجال الدين والعلماء الذين تحرص الدولة على استضافتهم في الشهر الكريم، مما يجعل هذا الصرح المعماري الرائع، يتحول إلى منارة إشعاع ديني، تفيض علماً طيباً نافعاً، بما ينسجم مع الرؤية الحكيمة للراحل الكبير، الشيخ زايد عندما وجه سنة 1996 ببناء المسجد، ليكون صرحاً إسلامياً يرسخ ويعمق قيم الحضارة الإسلامية، ومفاهيم التسامح التي تأسست هذه الحضارة على دعائمها.
وتسمح هيئة أبوظبي للسياحة بزيارة المسجد من قبل السياح، بصحبة مرشدين سياحيين يقدمون لهم كافة المعلومات، عن تصميم المسجد المعماري، وحجم الجهد المبذول في تشييده، مما يوجه رسالة قوية تؤكد أن الإسلام لا يرفض الآخر، ولا يضع العوائق فيما بين حضارته، وبين مختلف الحضارات.
وتستغرق الجولة بين أروقة المسجد نحو ساعة كاملة، يبدي خلالها زوار المكان المهيب، انبهاراً كبيراً بما يرونه من اهتمام بالتفاصيل، وبروعة المعمار الإسلامي حينما تقترن بالفخامة الاستثنائية، كما تسمح الهيئة للسياح بالتقاط الصور التذكارية للمسجد، فيما تضع شروطاً لزيارتهم من أهمها: الالتزام بالاحتشام وارتداء الملابس التي لا تكشف العورات.
وكتب على كتيبات تعدها وتوزعها هيئة أبوظبي للسياحة على الزوار: إن المسجد يهدى إلى أبي الأمة الذي كانت رؤيته مبنية على الحوار بين الأديان والحضارات والثقافات.
كسوة من الرخام
ويبدو مبنى المسجد الشامخ، المؤلف من 82 قبة، من بعيد أشبه ما يكون بجبل من الثلج الأبيض الناصع، خاصةً عندما تنعكس عليه أشعة الشمس، ويتلألأ أمام أعين الناظرين، بفضل الرخام الأبيض الذي يكسوه بسخاء، حيث تمت كسوة المآذن الأربع والجدران الخارجية وحدها بنحو 120 ألف متر مربع من الرخام الأبيض الذي تم استيراده من إيطاليا واليونان والهند والصين.
ويزداد المشهد تألقاً ومهابةً، حينما تنعكس هذه الصورة الاستثنائية، على صفحة مياه الخليج الهادئة والبحيرات الاصطناعية التي تحيط بالمبنى، كما لو كانت تحتضنه.
ويدخل المسجد موسوعة الأرقام القياسية، من أوسع الأبواب، فأرضيته من الداخل مغطاة بأكبر سجادة في العالم، وتبلغ مساحتها 5625 متراً مربعاً، وهي إيرانية الصنع وذات أكثر من 2 مليار عقدة ومصنوعة يدوياً من 38 طناً من الصوف بأنامل 1200 عامل نسيج، استغرقوا 18 شهراً للانتهاء منها، وتم صنعها خصيصاً لهذا المسجد.
كما يزهو المسجد بأنه يضم بين أرجائه، أكبر ثريا في العالم، حيث يبلغ ارتفاعها 15 متراً، وتزدان بقطع الكريستال البيضاء والحمراء والصفراء، من إبداع شركة سواروفسكي النمساوية وتزن نحو 10 أطنان، و تتدلى من قبة المسجد الداخلية التي يصل ارتفاعها إلى 70 متراً. وتعد قبة المسجد الرئيسية المستوحاة في تصميمها من التراث المعماري العربي، أكبر قبة في العالم حيث يبلغ ارتفاعها الخارجي نحو 85 متراً، وقطرها نحو 33 متراً، وقام الفنيون بمعالجة ما لا يقل عن 28 نوعاً من أفخر أنواع الرخام من أجل كسوتها وكسوة مآذن المسجد.
40 ألف مصلٍ سعة صالات المسجد
يبلغ عدد الأعمدة داخل قاعة الصلاة الرئيسية في مسجد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد 24 عموداً، تحمل الأسقف والقباب الضخمة، وصممت ليكون العمود الواحد مقسماً إلى أربع ركائز، تحمل العقود الحاملة للقباب، وتمت كسوة هذه الأعمدة بالرخام الأبيض المطعم بالصدف بأشكال وردية ونباتية، مما يجعلها تضفي جمالاً ورونقاً على القاعة.
ويصل ارتفاع الباب الزجاجي الرئيسي للمسجد إلى 2,12 متراً، وعرضه 7 أمتار، ويزن 2,2 طن. وتضم الجدران الداخلية زخرفة من الذهب عيار 24 قيراطاً، وزجاجاً وفسيفساء تتركز بكمية أكبر على الحائط الغربي. ويحيط المسجد بحيرات اصطناعية تبلغ مساحتها أكثر من 7 آلاف و850 متراً مربعاً.
ويضم المسجد ثلاث ساحات للصلاة، تبلغ مساحة الرئيسية نحو 6000 متر مربع، وتتسع لأكثر من 7000 و 125 مصلياً، ويستوعب المسجد بالكامل 40 ألفاً، و960 مصلياً. وبلغت تكلفة هذا الصرح العملاق ما يقرب من مليارين و450 مليون درهم، واستخدم في بنائه 210 آلاف متر مربع من الخرسانة المسلحة، و33 ألف طن من الحديد، مما يجعله يحتل مكانته الفنية والروحية الكبرى، ويمثل مرجعاً عالمياً في فنون العمارة الإسلامية.
أبوظبي- محمد مصطفى موسى

