تماماً كما بساطة الصحراء الممتدة؛ كانت لرمضان ولا تزال ملامح إيجابية كثيرة تروى على لسان من يعيشونها من أهل البداوة، شعور جماعي ظل إلى حد قريب سمة تلف المجتمع الإماراتي، وذلك قبل أن يدخل خصوصيات الحياة بعض من التعقيد، ففي السابق كان البدو الرحل يعيشون رمضانهم بأبسط الملامح والتجهيزات، وجل همهم التقارب فيما بينهم والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وهم الذين اختاروا السكن في أماكن متلاصقة وفي بيوت من الشعر أو الخيم المتنقلة.

ذلك كان قديماً، أي قبل مضي بضعة عقود، أما اليوم فتجد الملامح الرمضانية تختلف نسبياً عما كانت عليه، وإن ظلت القواعد الرئيسية من العادات والتقاليد ثابتة.. في الذيد والمدام وما جاورهما من البلدات والمناطق البدوية الأخرى، يتفق الجميع على تقليد رمضاني يكاد يكون واحداً وثابتاً في أكثر من مكان، فرمضان كان ولا يزال مناسبة دينية سارة تجمع قلوب من يستظلون ببركاتها على العطاء والإيثار والتعاون والشعور مع الغير.

وتلك المسميات لا تزال تخيم على أجواء البداوة في الإمارات من منطقة الأفلاج في سلطنة عمان وحتى رأس الخيمة، وهي مناطق لا تزال شاهدة على امتداد مجتمع البداوة الذي يعتمد بشكل أساسي على الإبل والماشية، ولا يهنأ في الاستقرار في مكان بسبب البحث المتواصل عن المرعى والعشب والماء.

تكاتف

خليفة عبدالله بن هويدن الكتبي عضو المجلس الوطني الاتحادي، وأحد أبناء مدينة الذيد التي تعد واحدة من مناطق البداوة في الدولة، يقول إن شهر رمضان كان قديماً يحظى بمزيد من ملامح التكاتف بين أبناء المنطقة الواحدة، وذلك في عصر لم تعرف فيه مسميات مثل الموبايلات وحتى السيارات، مضيفاً أن السكان ظلوا يحرصون على السكن في أماكن متقاربة جداً وهو تقليد متبع حتى يومنا هذا، ونابع من شعور التواصل والترابط في مجتمع البداوة.

ويوضح الكتبي أن روحانيات شهر رمضان المبارك تركت في نفوس أبناء البداوة متغيرات إيجابية كثيرة، وهي لا تزال رغم التغير الكبير الحاصل، مصدر فخر لكل بدوي، مشيراً إلى أن شهر الصوم ظل في مقياس أبناء الصحراء زمناً خاصاً يتطلب منهم شعوراً مناسباً، وبحكم أن ذلك الشهر اقترن في مسماه بالكرم، فذلك الوصف ترسخ تقليداً عاماً لدى أهل البداوة.

سحور

وقديماً كانت أيام رمضان تمضي على نسق واحد.. فالرجال كما النساء يبدأون يومهم مبكراً، يستفيقون قبل أذان الفجر للسحور ومثلما كان الإفطار يجمعهم استمر السحور يضفي على أجواء البداوة مزيداً من المتعة التي تنسج خيوطها قبيل بزوغ أشعة الشمس، وكما يقول خليفة بن هويدن فإن شهر رمضان المبارك ظل يجمع السكان عند الإفطار والسحور على هيئة رجل واحد.

على الرغم من أن اختلاف مسميات الحياة والعصر دخلت على حياة البداوة إلى حد يوازي نسبياً حجمها في مجتمع الحضر، إلا أن هذه المسميات أخذت من مجتمع البداوة بقدر ما منحته من تسهيلات وليونة في الحياة، فاليوم ابتعدت البيوت عن بعضها ولكنها ظلت قريبة بفعل السيارة والموبايل كما يؤكد بن هويدن، والجميع أصبح اليوم في تقارب وتواصل وينعم في سهولة من العيش.

ذبائح

وبحسب ما يؤكد خليفة بن هويدن فإن من العادات الرمضانية الراسخة في تقليد مجتمع البداوة، هو الاستعداد مبكراً في الأمور المادية مثلما يفعلون في الجوانب الروحانية والدينية، وقد درجت العادة في شهر رمضان وربما قبله بأيام أو أسابيع، أن ينشغل السكان البدو في انتقاء الذبائح الخاصة برمضان من الخراف والماعز.

حيث يحرص الجميع على انتقاء مجموعة من الذبائح تلبية لأطعمة رمضان التقليدية، لا سيما الثريد والهريس والمرق والعيش، أو من أجل إهداء الجيران والأقارب، وبحكم أن مجتمع البداوة لا يزال متمسكاً بعادات البقاء المتمثلة بالعزب والحلال، فهو بالتأكيد يعتمد في المأكل بشكل أساسي على مشتقاتها من اللحوم والأجبان والحليب، التي لا تخلو منها مائدة رمضانية بدوية.

«دكة»

ملمح رمضاني آخر لا يزال حاضراً في حياة البدو المنتقلين بحكم الحداثة إلى واقع أشبه بالحضر، وهو تقليد متبع منذ قدم العقود ولدى مختلف العائلات، فكما يؤكد الكتبي فإن الجميع هذه الأيام وبمجرد أن يقترب شهر الصوم يبدأون في تجهيز الأماكن الخاصة بتجمعات العائلات خلال رمضان.

وهي التي تسمى مجالس وتجمع الأب والجد والأولاد والبنات وأبناءهم، إضافة إلى بعض الأقارب والجيران، وقد يصل عدد المجتمعين في البيت الواحد إلى ما يقارب 30 رجلاً، إضافة إلى عشرات النساء اللواتي يجتمعن في المجلس خيمة رمضان الداخلية أو في «دكة» البيت، وتلك الملامح هي ممارسات بدوية خاصة بالشهر الكريم، ولا تزال راسخة في أصول مجتمع البداوة.

عشاء

في عرف العلاقات السائدة بين أفراد مجتمع البداوة المتمثل بمدينة الذيد على وجه الخصوص، اعتاد السكان خلال أيام الشهر الفضيل كما يلفت خليفة بن هويدن الكتبي على تلبية دعوة أحد المواطنين بشكل شبه يومي لتناول وجبة عشاء ما بعد التراويح، حيث يلبي عشرات وربما مئات الأشخاص الدعوة ويتوجهون جماعة إلى بيت صاحب الدعوة لتناول طعام العشاء والبقاء في أجواء رمضانية مؤنسة وسط عشرات الأقارب والأصدقاء والجيران، وذلك تقليد لا يزال قائماً.

ولعل من أبرز ما يميز شهر الصوم في مجتمع البداوة، هي موائد الإفطار العائلية المفتوحة، إذ يتعمد السكان هناك وضع موائد الإفطار إما في مجالس مفتوحة على الطريق العام أو في الساحات القريبة من الأبواب وانتظار المارة ودعوتهم للمشاركة في الفطور، وهذا نهج رمضاني متبع منذ قديم الزمان، وهو ربما يعبر عن واقع البداوة في الخيمة ووضع طعام الإفطار على مرأى من المارة وكل عابر سبيل لدعوة أكبر قدر ممكن منهم، كما يلمح بن هويدن الكتبي.

غموض

وعلى الرغم من اقتحام كثير من مدخلات العصر لواقع الحياة البدوية المعاشة، وتحويلها إلى مجتمع أشبه بحياة الحضر، إلا أنها لا تزال متمسكة بالكثير من الملامح الرمضانية التي ظلت تميز أهل البداوة على مر العصور، فملامح مثل التعاضد والتعاون والكرم والعطاء والمشاركة تبقى محافظة على نسقها بين السكان البدو وإن قلت نسبياً.

تبقى المشكلة من وجهة نظر خليفة الكتبي هي أن مجتمع البداوة سابقاً وبحكم بساطة الحياة المعاشة كان منكشفاً في أمور كثيرة، وكان يسهل على البعض معرفة ما تواجهه العائلات من أزمات أو مشكلات، أما اليوم فأصبح المجتمع كتلة واحدة من التشابه في المظهر والتستر في الجوهر والتكتم على واقع الحياة المعاشة، وكما يقول الكتبي فإن الجميع اليوم يملك بيتاً وسيارة وموبايل وغيرها من الإكسسوارات.

والكل يبدو في حالة ميسورة ، إلا أن الواقع يؤكد وجود حالات اقتراض واستلاف من البنوك إلى درجة تبقي أصحابها في خانة الفقر لعقود، والمشكلة أن أحداً لم يعد قادراً على تمييز الفقير من الغني هذه الأيام، وهنا يكمن الفارق في حياة الناس في مجتمع البداوة قبل التطور وبعده، حيث لم يعد للكثيرين متسع وربما فرصة للوقوف إلى جانب محتاج والشعور مع الجار ومساندته بعدما كانت مثل هذه الملامح تغطي مجتمع البداوة قديماً.

عنان كتانة