قد تلقي الشيفرة الوراثية لرجل «أوتزي» الجليدي الضوء على بعض الأمراض الوراثية في عصرنا الحالي كالسكري والسرطان وضغط الدم المرتفع. فبعد مرور عشرين عاما على اكتشاف رأس الرجل المتوفى، وهو يطل من مجلدة ذائبة في جبال الألب.
لكن ذلك لا يشير إلى تراخ من قبل السلطات الإيطالية في هذا الشأن، وإنما يعد تقدما في التكنولوجيا الوراثية قد يقود العلماء إلى الأقارب الذين ما يزالون على قيد الحياة للرجل المجمد الذي عاش في جنوب إيطاليا قبل ما يربو على 5300 عام.
ويرقد رجل الأوتزي الجليدي الآن في صندوق زجاجي معقم بدرجة حرارة تبلغ 7 مئوية ونسبة رطوبة تبلغ 100%، ويعتبر أقدم مومياء يتم العثور عليها حتى الآن. يشار إلى أن أقدم المومياوات المصرية تعد أحدث زمنيا من هذا المومياء بنحو 1000 سنة على الأقل، وهو يعتبر نجم العرض الدائم في أحد متاحف مدينة بولزانو الإيطالية.
وفي حالته الأزلية هذه، تمكن العلماء من استخراج الحمض الوراثي (دي إن إيه) من عظمة في حوضه ، وأعلنوا، أخيرا، أنهم تمكنوا من رصد خريطته الوراثية بالكامل، وأن الهدف الآن هو العثور على أقارب منحدرين من صلبه على قيد الحياة، للحصول على أدلة تتعلق بالتغيرات الوراثية التي طرأت منذ العصر الحجري الحديث.
ومع استكمال خريطة رجل الأوتزي الوراثية، يقول العلماء في معهد الرجل الجليدي في بولنزو إنهم قد يتمكنون من إلقاء الضوء على الجوانب الوراثية للأمراض السائدة الآن كالسكري والسرطان وضغط الدم المرتفع، وما إذا كانت موجودة في الأزمنة القديمة.
يقول مدير المعهد الدكتور ألبرت زينك إن هناك طفرات وراثية رئيسة، ندرك أنها مرتبطة بالأمراض السابقة، والمهم معرفة ما إذا كان رجل الأوتزي مصابا بها، أم أنها أمراض حديثة.
وكانت دراسات سابقة قد حلت الشيفرة الوراثية للميتوكوندريا، لكن هذه السلسلة الصغيرة من الجينات، التي تورثها الأمهات لأطفالهن، لا توفر سوى معلومات محدودة، ومع ذلك فإنها تفترض أنه إذا كان لا يزال للإنسان الجليدي أقارب في جبال الألب، فإن عددهم سيكون محدودا.
ويتشارك العلماء، من العديد من المعاهد ومراكز البحوث الوراثية وشركات التكنولوجيا الحيوية، بالمعلومات المتوفرة على أمل وصول نتائج البحث في الوقت المحدد بمناسبة الذكرى العشرين لاكتشاف رجل الأوتزي العام المقبل. يقول الدكتور زينك:
من خلال عمليات المقارنة المرتكزة على الحمض الوراثي الموجود في الميتوكوندريا لم نستطع العثور على أي أقرباء للرجل الجليدي في المنطقة، ولكن من خلال تحليل الشيفرة الوراثية بالكامل هناك فرصة جيدة للعثور على بعض أقربائه.
نحن في بداية مشروع كبير في غاية الإثارة، وأعتقد أن هذا الإنسان القديم سيزودنا بمعلومات كثيرة. وقد أثبت رجل الأوتزي أنه بمثابة منجم ثمين للعلماء منذ اكتشافه بين ثلوج الألب في 19 سبتمبر 1991، على ارتفاع يزيد على 3000 متر على الحدود النمساوية ؟
الإيطالية، وعلم علماء الإنسانيات من خلال درجة الاهتراء في مفاصله ووضعها أن بعض سكان العصر الحجري القديم، وعلى النقيض من المعتقدات السابقة، أمضوا معظم حياتهم، إن لم يكن كلها، في الجبال.
وكان إنسان الأوتزي قد قصد هذه المنطقة مرات عدة وتوفي هناك حيث كان يبلغ طوله في ذلك الوقت 5 أقدام و 5 بوصات، ووزنه نحو 59 كغم، وعمره بحدود الخامسة والأربعين.
وعانى من ثلاثة أضلاع مكسورة، وجرح مؤذ في يده، واحتوت أمعاؤه على ديدان سوطية وبراغيث. واستطاع العلماء تجميع ردائه ومعطفه المصنوعين من جلد الماعز، ولباسه الداخلي الجلدي، وعباءة من الحشائش خيطت بواسطة أوتار الحيوانات. وكان يعتمر قبعة من جلد الدب وينتعل حذاء جلديا محشوا بالحشائش لإبقاء قدميه دافئتين.
لكنه اعتبر متقدما عن عصره في أسلوب المخاطر التي واجهها. وقد شدت ظروف وفاته مخيلة العلماء، واعتقد في البداية أنه تجمد حتى الموت، غير أن الأشعة المقطعية كشفت لاحقا أن جثته تعرضت لسهم من الصوان اخترق كتفه، وتوقف قرب رئته اليسرى، ومزق الشريان الدموي الرئيسي الذي ينقل الدم من قلبه إلى ذراعه اليسرى.
عمر حرزالله
