أصبحت مدينة ميونخ قبلة خليجية خالصة منذ ثلاثة أعوام فقط لسهولة الحياة فيها، فهي تتمتع بوسائل نقل آمنة وسهلة، إضافة لتنوع الجنسيات وتعدد المطاعم التي تقدم الأكل العربي الإسلامي، وتكيف أهالي ميونخ مع السائح الخليجي من خلال تقديم تسهيلات لم تكن متوافرة في الماضي، مثل وجود أشخاص يتحدثون اللغة العربية في المطاعم والفنادق والمطارات.
حيث اجتاحت اللغة العربية الأسواق والمراكز التجارية وبات من السهولة بمكان، على سبيل المثال، رؤية أحد المراكز يشير عبر لافتة واضحة أنه يرحب بالمتسوقين العرب، فضلاً عن توفر خدمات خاصة بهم، مثل أماكن الصلاة وحمامات للوضوء ومرشدين يتحدثون العربية.
عادة وجذور
وربما مرد هذه الظاهرة يعود إلى وجود نحو 75 ألف مسلم في هذه المدينة الأوروبية، تعود أصولهم إلى بلدان مختلفة، على غرار تركيا واتحاد الجمهوريات اليوغوسلافية السابقة وبعض البلدان العربية.
عندما يفضل المواطن الخليجي السفر إلى بلد أوروبي خلال أشهر الصيف هرباً من شدة الحرارة وارتفاع نسبة الرطوبة، وطلباً للاستمتاع بمناخ معتدل يحمل له نسمة هواء عليلة فيها من البرودة، ما ينسيه ذلك الهواء الاصطناعي المبرد القادم عبر فتحات المكيفات المنتشرة في كل مكان في بلاده، فكأنه بهذا الميل يسير على خطى أجداده الذين كان يدفعهم قيظ فصل الصيف إلى تكبد عناء السفر إلى المناطق الداخلية والجبلية من البلاد، والتي تتمتع عادة بمناخ أكثر اعتدالاً بالمقارنة مع المناطق الساحلية.
إن تلك العادة القديمة، التي كان يطلق عليها «القيظ»، لا تزال مستمرة مع اختلاف وجهات السفر وتنوع وسائل المواصلات ومعها تنوع المتطلبات والأهداف المرجوة من الترحال لمدد قد تصل إلى أشهر عن البيت، إلى أن تنجلي سحابة صيف قائظ.
إنه موسم السفر إلى الشمال عوضاً عن الترحال بين بوادي وجبال الوطن وسواحله، وما أضفى طابعاً خاصاً على ظاهرة السفر إلى وجهات سياحية عدة حول العالم، هو إدراك القائمين على هذه الوجهات أهمية السياحة الخليجية من الناحية الاقتصادية والثقافية، فراحوا يولون أهمية خاصة لمتطلبات السائحين العرب عموماً، والقادمين من بلدان مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص، حيث بات من الطبيعي أن نجد في معظم، إن لم نقل جميع الوجهات السياحية في العالم، مفردات ثقافية واجتماعية ولغوية وخدمات وبضائع وأطعمة تتناسب والذوق العربي.
السياحة الثقافية
مدينة ميونخ، عاصمة ولاية بافاريا الألمانية، التي يبلغ عدد قاطنيها 1.3 مليون نسمة، تتمتع بطقس جميل معتدل وموقع جغرافي مثير لاهتمام السياح، تتيح لزائرها خيارات متعددة لزيارة أكثر من بلد، لأنها قريبة من النمسا وسويسرا والتشيك، وبالتالي تعتبر قبلة سياحية بامتياز لاسيما وأنها تتوسط قارة أوروبا، وتشكل بتنوعها الثقافي محطة مهمة لمرتادي المتاحف والباحثين عن السياحة الثقافية، إلى جانب قدرتها الفائقة على احتواء السائح الباحث عن الاستجمام والتطبب.
وهي توفر لضيوفها العرب الكثير من الفعاليات والمرافق السياحية التي تلبي احتياجاتهم، وتحترم عاداتهم وتقاليدهم إلى حد كبير، بحيث لم يعد مستغرباً رؤية البضائع والمنتجات المعروضة في محالها التجارية وقد علتها أسماء عربية صرفة، مكتوبة بخط جميل وبلغة الضاد، ما يضفي مزيداً من الألفة القائمة أصلاً بين المكان وزواره، إذ تتميز السياحة في ميونخ بالكثير من خيارات التسوق، التي تتيحها هذه المدينة خاصة بعد هبوط عملة اليورو مقابل الدولار، فضلاً عن المناخ والمعالم العمرانية والمباني التاريخية والمتنزهات والحدائق الشاسعة التي تزخر بها.
وتعد المناطق الريفية الخضراء التي تحيط بميونخ، إلى جانب البحيرات الجميلة والقلاع، من الأماكن السياحية التي تجذب إليها آلاف الزوار كل عام، والذين يقصدونها للتمتع بالمناخ المعتدل الذي تتميز به مناطق جنوب ألمانيا خلال فصل الصيف.
عوامل ومقومات
كما لعب سوق السفر العربي في دبي، في دورته هذا العام، دوراً كبيراً في جعل الناس يفضلون هذه المدينة الألمانية على غيرها من المدن الأوروبية، وذلك من خلال تسليط الضوء على ميزاتها الجاذبة من خلال المشاركة المميزة للمدينة في معرض دبي للسفر، فضلاً عن أن ميونخ تحتضن الكثير من الفنادق الفاخرة التي تحرص على تعيين موظفين يجيدون التحدث باللغة العربية.
كما توفر ميونخ لزائريها بيئة أسرية آمنة وأنشطة ترفيهية راقية وخدمات تسوق واسعة النطاق وخدمات علاجية متطورة، ما انعكس على تدفق السياح العرب إليها، حيث باتوا يشكلون جزءاً حيوياً من مدينة ميونخ لاسيما في فصل الصيف، في حين بات منظراً مألوفاً رؤية رجال ونساء يرتدون الزي العربي هناك.
أما لغة الأرقام، فإنها تؤكد بدورها هذا المنحى، الذي باتت تسلكه حركة السياحة الخليجية، فهي تتحدث عن أن ميونخ تصدرت ،مرة أخرى، قائمة الوجهات المفضلة للسياح القادمين من منطقة الخليج العربي.
ووفقاً للإحصاءات الصادرة عن مكتب الترويج السياحي لمدينة ميونخ ومكتب دول الخليج، فقد تخطّى عدد السياح القادمين إلى عاصمة ولاية بافاريا في عام 2009 حاجز الـ 77.949 سائحاً، وقضوا فيها أكثر من 270.891 ليلة، ما يدل على زيادة قدرها 22% بالمقارنة مع عام 2008، بينما تستضيف العاصمة البافارية هذا العام أعداداً قياسية من السياح العرب القادمين من دول مجلس التعاون الخليجي، الذين وصل عددهم، حتى الآن، إلى 80.000 سائح خليجي.
ألفة ولا أرقام
لكن لا شك بأن هناك أموراً لا تستطيع لغة الأرقام والحسابات التعبير عنها، حيث يبدو أن ألفة من نوع خاص قد راحت تنشأ بين المدينة الألمانية وسكان دول مجلس التعاون الخليجي، بعيداً عن تلك اللغة الصامتة.
ألفة بدأت تتجلى في العديد من المظاهر الحياتية، التي لا يمكن المرور عليها مرور الكرام. ولاشك أن ذلك يثبت بوضوح حين تنشر صحيفة ألمانية تتكلم اللغة الألمانية، وتخاطب قراء ألمانيين مثل «آبند تسايتونغ» اليومية على صدر صفحتها الأولى في مقال خُطّ بلغة الضاد وبأحرف كبيرة، حمل عبارة «أهلاً وسهلاً»، فإن ذلك يعكس مدى أواصر المحبة والصداقة التي باتت واقعاً ملموساً بين طرفي معادلة السياحة المحببة، الأمر الذي وجد انعكاسات طيبة وتلقائية لدى قراء الصحيفة، سواء بنسختها الورقية أم بنسختها الالكترونية، الذين عبروا عن مدى ارتياحهم حيال تزايد أعداد السياح الخليجيين القادمين إلى ميونخ.
دبي- باسل أبو حمدة
