في المقالات التي تقوم بنشرها «البيان» بدءًا من اليوم، وعلى مدى أيام رمضان المبارك، يقدم مستشرقون، ذوو مكانة علمية، شهاداتهم في فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الأوروبية الحديثة، في انتشارها من الأندلس غرباً إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهمت بكنوزها في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء في قدوم عصر النهضة، وما صحبه من إحياء للعلوم.

ينتسب هؤلاء المستشرقون إلى مدارس مختلفة، شرقاً وغرباً، عالجوا الحضارة العربية والإسلامية في أبهى تجلياتها من إعجاز القرآن الكريم إلى الآداب، ومن ثم إلى العلوم، ورؤوا في الإسلام ديناً متسامحاً وميداناً غزيراً للإبداع منذ عرف الغرب أكبر حركة ترجمة في التاريخ على امتداد قرنين، نقل فيها معظم التراث العربي وأمهات الكتب إلى لغاته، ما أتاح للثقافة العربية أن تدخل حضارة الغرب لتضيء الحياة الفكرية والعلمية.على الرغم من حياته العاطفية المضطربة، فقد سافر إلى كل من مصر ولبنان والقاهرة وتركيا، وتعلم اللغات الفرنسية والمهرية ـ أثيوبيا ـ والانجليزية والأكادية، واليونانية واللاتينية والفارسية واللاتينية وغيرها من اللغات لكي يصب جهوده كلها من أجل دراسة كيميائي العرب، جابر بن حيّان.

ويكتب عنه أهم عمل بعنوان «جابر بن حيّان إسهام في تاريخ الأفكار العلمية في الإسلام» صدر باللغة الفرنسية في مجلدين وأثار العديد من النقاشات والحوارات العلمية.

إنه المستشرق ايليزر بول كراوس، وهو من أصل يهودي، ولد في براغ، وتثقف فيها، ثم سافر إلى برلين. وكانت ثمرة أبحاثه أن تُوج بلقب الدكتوراه في عام 1929. وفضلاً عن ذلك، اهتم برسائل جابر بن حيان ومؤلفات أبو بكر الرازي والفارابي. وقام لردح من الزمن بتدريس للغات السامية في الجامعة المصرية بين عامي 1936 و1944.

وقد عاش هذا الباحث المهتم بتراث الإسلام عدم الاستقرار في بلد واحد، إذ مع مجيء النازية في عام 1933، اضطر بول كراوس إلى مغادرة برلين إلى باريس، حيث واصل دراساته على يد المستشرق المعروف لوي ماسنيون وتكونت بينهما صداقة عميقة مما جعلته يمضي ثلاث سنوات، من عمره باحثاً في مكتباتها وأرشيفها عن جابر بن حيّان.

ثلاثة عروض

وقد اعترف الوسط الأكاديمي والعملي بكفاءته البحثية التي لا نظير لها، ففي عام 1936، حصل على ثلاثة عروض للوظائف في الجامعات: منها: الجامعة الإسلامية في الهند، والجامعة العبرية في القدس، وجامعة القاهرة إلا أنه فضل أن يقبل وظيفة أستاذ في جامعة القاهرة ويحاضر في المعهد الأركيولوجي الفرنسي في القاهرة.

في عام 1941، التقى بزوجته «بيتينا» وأنجب منها بنتاً، رافقته في أسفاره وأبحاثه. وزوجته هي أخت الفيلسوف ليو ستراوس الذي ارتبط معه بصداقة عميقة منذ العشرينات، وسافرا سوية إلى كل من تركيا ولبنان وفلسطين، ومصر من أجل القيام بالأبحاث.

لكن زوجته توفيت في عام 1942. وبعد مرور عام على ذلك، سافر إلى القدس مع ابنته، وتزوج من دوروثي ميتليتسيك إلا أن هذه الزيجة لم توفق. وبعد ذلك، سافر إلى القدس لإلقاء محاضرات في الجامعة العبرية، إذ سخروا من أفكاره وأطروحاته، وخاصة فيما يتعلق بأطروحاته العملية على سبق العرب في ريادة العلوم واكتشاف ألغازها، وتحدث عن علاقة الإسلام بالكيمياء مما أدى إلى معاناته نفسياً إثر ذلك.

وبعد هذه المناقشة، غضب وعاد إلى القاهرة وحيداً، وبقيت زوجته الجديدة في مستشفى القدس لإصابتها بمرض خطير. وبدأت الأحوال السياسية تتدهور في القاهرة، وقد تم طرده من الجامعة، حيث اتهمته السلطات المصرية بأنه استلف أموالا كانت مقررة إلى المكتبة، واستخدمها شخصياً، ولكنه تبرأ منها، فلم يعد له أي مستقبل في القاهرة، كما أن القدس أغلقت الأبواب في وجهه هي الأخرى.

شغف بالتراث العربي

منذ سنواته الأكاديمية الأولى، شغف بول كراوس بالتراث العربي في العلوم، وجذب نظره ثلاثة من كبار العلماء المسلمين أمثال: جابر بن حيان، وأبو بكر الرازي، والفارابي. لكنه تأسف كثيراً لأنه لم يطلع على أصول أعمالهم باللغة العربية التي كُتبت فيها، لذا بدأ بدراستها في اللغة اللاتينية، وكان مصمماً على تعلم اللغة العربية على الرغم من ذلك.

وقد أعانه استقراره في القاهرة، مهد الدراسات العلمية آنذاك، من إنجاز بحوثه العلمية. ولم يكن بالإمكان لأي باحث في العلوم والإنسانيات أن ينجز بحوثه العلمية، بدون إتقان اللغة اللاتينية، أداة البحث العملي في حينها. فقد قام بترجمة ونشر أول كتاب له لأبو بكر الرازي وحياته الفلسفية في عام 1935. وبعد عام من ذلك، قام بكتابة أطروحته المعروفة في الكيمياء عن جابر بن حيّان.

وبرهن على أنه لم يكن لوحده مؤلفاً لأعماله بل شاركه عدد من طلبته، ولكنه لم ينقص من قيمة انجازاته العملية في سلم أبحاث الكيمياء، بل اعتبرها رائدة بدون منازع.

ولم تتوقف أبحاثه عند هذه الأطروحة، بل عاد إلى القاهرة في عام 1937، وبدأ بتدريس اللغات السامية فيها. وبعد عام من تواجده، اكتشف مخطوطة للفارابي الموسومة ( فلسفة أفلاطون وأرسطو والتعليق على القوانين) في مكتبة اسطنبول، كما ذكر ابن أخيه، ليو ستراوس. وقد اهتم بتحقيق هذا المخطوط ونشره فيما بعد. وفي عام 1939، أقيم مؤتمر علمي حول الفارابي دعي إليه ولكن نشوب الحرب العالمية الثانية أدى إلى إلغائه.

على أية حال، يُعتبر بول كراوس أول من قام بدراسة أعمال جابر بن حيان سواء في الكيمياء، أو في فروع أخرى، واهتم بالمظهر الفلسفي عنده، ووجد في مفاهيمه المعاني العملية التي أبهرت الغرب، من خلال وضعه لمجلد ضخم أسماه «المختار من رسائل جابر» في القاهرة، مبيناً بأن أصول كتبه بالعربية فقدت وبقيت ترجماتها اللاتينية التي اعتمد عليها في دراسته. كما درس أيضاً الفارابي والرازي، فضلاً عن تدريسه للغات السامية في الجامعة المصرية بين عامي 1936 و1944.

وتابع بول كراوس أبحاثه وأورد لائحة تضم أسماء جميع مؤلفات جابر بن حيّان، فبلغ عددها ما يقرب من ثلاثة آلاف عنوان لم يبق منها سوى مائتين وخمسين إلى اليوم.

وقد تبين له عند مقارنة أعمال جابر بين حيّان بما وصل إليه قدماء اليونانيين في علم الكيمياء، أنه تميز بالميل إلى النواحي العملية والتجريبية، معتمداً على التفكير المنطقي، بعيداً عن الشعوذة والخوارق، واستطاع الحصول على مركّبات كيميائية لم يعرفها غيره من قبل. أما الإكسير فهو المادة الأساسية التي يجب أن تضاف لأحد المعادن لتحويله إلى فضة أو ذهب. وهو أول باحث طوّر الصنعة وأدخل مواد عضوية، من أصل حيواني أو نباتي، وكانت في حينها ثورة علمية.

الأب الروحي للكيمياء

وقد رأى بول كراوس في جابر بن حيّان أول من قدم علم الكيمياء إلى العالم، فأصبح الأب الروحي لهذا العلم القديم الجديد. ويعود الفضل إليه مباشرة في تطور هذا العلم في أوربا. وقد آمن هذا العالم بأن التجربة هي الوحيدة التي توصل إلى المعرفة. ولولا التجارب التي قام بها لما توصل إلى توصل إليه من كشوفات حاسمة في هذا العلم.

كان بول كراوس مستشرقاً رصيناً لأنه أتقن اللغة العربية ولغات أخرى من جهة، وقارئا متميزا للمخطوطات من جهة أخرى. وكانت اللغات من أهم أدوات المعرفة والعلوم، فكان نابغة في الدرس والتحصيل، راكم معرفته في استقصائه إلى حد الكشف عن الجزئيات كلها. وكان كراوس يميل إلى التحرر من اللاهوت والحركات الدينية التي أثرت على البحث العلمي.

اطلع بعض المستشرقين، في أواسط القرن الماضي، على مخطوطات محفوظة في المكتبات الأوروبية، وهي تضم مؤلفات في علم الكيمياء، مدونة باللغة العربية وتحمل اسم جابر، وأخرى مدونة باللغة اللاتينية، وتحمل اسم Geber أو Gerber.

وانتهت حياة هذا المستشرق النابغة نهاية مأساوية إذ تم العثور عليه مشنوقاً في الحمام في بيت أحد أصدقائه في عام 1944. وقد أثار قريبه الأستاذ ليو ستراوس الذي تزوج من أخته، الشكوك حول وفاته. وقد قام هذا الأخير بتبني ابنته في عمر الرابعة من عمرها. وبذلك أسدل الستار على مستشرق أفنى حياته من أجل نقل اكتشافات جابر بن حيّان إلى الغرب.

شاكر نوري