يهل شهر رمضان بصفة سنوية، ولهذا الشهر قدسية وروحانية لا يستشعرها إلا من عاش في بيئة اجتماعية متماسكة ومترابطة، وتعد الإمارات من احدى النماذج التي تتيح أجواء متميزة خلال الشهر الفضيل.
ففي الإمارات يترقب الناس حلول الشهر الفضيل ويتهيأون لاستقباله بأيام عديدة، وفي شهري رجب وشعبان، يتضرع الناس إلى الخالق لبلوغ الشهر لما له أهمية كبيرة في نفوسهم.ويتبادلون التهاني بمناسبة النصف من شعبان ويفرح الصغار والكبار في هذا اليوم والأيام التي تليه بسبب اقتراب حلول الشهر الفضيل، وتلك عادة متوارثة تناقلتها الأجيال عبر الزمن، منها عادات تأثرت بالحداثة والتطور ومنها عادات أبت أن تخضع لعجلة التطور فبقيت محافظة على رونقها، ومن أبرزها التزاور والتلاقي في المجالس والتحضير للأكلات الشعبية وتوزيعها، وموائد الإفطار الجماعية وأداء العبادات وغيرها.
الاستعداد لرمضان
يستعد الناس في الإمارات لاستقبال الشهر الفضيل بشراء كميات كبيرة من المواد الغذائية، وهي ظاهرة باتت مألوفة عند اقتراب حلول رمضان، فتكتظ الجمعيات التعاونية على مستوى الدولة بالمشترين الذين يدفعون عربات ممتلئة بالمواد الغذائية التي لا تكاد تخلو من الفيمتو والطحين وعلب الكريم الكارميل الخضراء والجيلي، جنبا إلى جنب مع أنواع مختلفة من الأطعمة الأساسية وغير الضرورية، فتصبح الجمعيات التعاونية كخلية نحل تعمل لتلبية احتياجات الزبائن وتوفر لهم أهم المواد التي يكثر الطلب عليها في رمضان، مع إعطاء تعليمات واضحة لشراء كمية محددة منها لشدة الإقبال عليها ونفاذها خلال فترة وجيزة.
ومن العادات التي ظهرت مؤخرا في المجتمع الإماراتي إقبال السيدات على وجه الخصوص على شراء أوان جديدة للاستعمال المنزلي او لتوزيعها كهدايا على الأهل والجيران، حيث يتميز الشعب الإماراتي بالعطاء والكرم، ومع تطور المجتمع ظهرت عدة وسائل تسهل على أفراده توزيع الأطعمة وهي ساخنة على الأهالي والجيران في حافظات طعام (حرارات)، وتتنوع أشكالها وأحجامها لتتناسب مع احتياجات وذوق ربة البيت، وعن تلك الظاهرة التقينا علي رضا تاجر أوان منزلية.
وقال: من منطلق عملي في مجال تجارة الأواني المنزلية، استطعت تكوين فكرة عن المجتمع الإماراتي الذي يحرص على تجديد الأواني المنزلية بصفة مستمرة، ولديه حب اقتناء تلك الأدوات او شرائها لتوزيعها كهدايا، حيث يكثر الطلب عليها عند الاستعداد لرمضان، أي خلال شهر شعبان ومع نهاية الشهر الفضيل لاستقبال العيد، وعلى الرغم من السنوات الطويلة التي عملت فيها ووالدي في هذا المجال، إلا انه أصبح لدينا زبائن كثر مع تغييرنا لآلية عملنا وبضاعتنا.
حيث يعمل والدي في تجارة الأواني المنزلية منذ سنة 1972 وكان المحل قائم على إمكانيات بسيطة حيث كنا نبيع فيه المواقد والكيروسين، ولكن أدخلنا بعض التعديلات على تجارتنا وقمنا باستيراد أدوات تقديم منزلية راقية، ومعها أصبحنا مقربين لأفراد المجتمع الإماراتي أكثر من قبل.
وتابع قائلا: إن من أكثر الأشياء طلبا للاستعداد لرمضان، حافظات الطعام التي تُشترى بكميات هائلة من قبل الزبائن، جنبا إلى جنب مع (صواني الغوزي) ذات الأحجام الكبيرة، وهي نوع من الأطباق المصنوعة من معدن الألمنيوم وتحتوي على أغطية بأشكال مختلفة، حيث تعد من الأمور الأساسية في البيوت الإماراتية، ناهيك عن (دلال) الحليب، إضافة إلى الأواني المنزلية الأخرى التي يتم توزيعها كهدايا على الأقارب والجيران والأصدقاء.
مشيرا إلى أن الناس تأتي للشراء عند اقتراب حلول شهر رمضان، وذلك لضمان حصولهم على احدث الموديلات بالنسبة للحرارات والدلال، فمهم من يأتي بصفة مستمرة إلى المحل للاطلاع على آخر الموديلات، وتركز فئة من النساء في شراء أطقم الحرارات والدلال لتتناسب مع الأطباق ودلال الشاي والقهوة والحليب والفناجين وهكذا.
وتبدأ أسعار الحرارات الجديدة ذات الأحجام الصغيرة من 120 وتصل إلى 210 بالنسبة للأحجام الكبيرة، موضحا أن السوق قائم على المجادلة ويتم التوصل لسعر مرض للطرفين في حال شراء كميات كبيرة او لإرضاء الزبون الدائم والأكثر جدلا.
مظاهر اجتماعية
وقالت وضحة ثاني ـ موظفة- إن الناس تستعد لرمضان بفترات طويلة لما يحمله الشهر من حميمية وترابط وتلاحم اجتماعي بين الأهل والأصدقاء وأهالي المنطقة، ففي المناطق البعيدة في الإمارات والتي لم تتأثر بالتطور الذي تشهده الإمارات بوجه عام، تكثر مباهج الفرح والسرور، وتتعزز الروابط الاجتماعية ويصبح أهالي القرى كالأسرة الواحدة، ولا يقتصر ذلك على القرى البعيدة، بل حتى المدن الحديثة يشملها حب التلاقي والتزاور وفعل الخير.
والحرص على تجمع كافة أفراد الأسرة على وجبة الفطور بعد أن فرقتها نمط الحياة العصرية، فتعم أجواء المحبة والروحانية في البيوت والمساجد وأرجاء الإمارات عامة، ويفرح الناس كثيرا لهذا الشهر من خلال تبادل التهاني والمباركة والسعي لإرضاء الخالق من خلال أداء العبادات، فتغدو الأجواء دينية عميقة تصفى فيها النفوس وتتنافس على فعل الخير التي تظهر في الانشغال بختم القران او في إتباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام في أداء التراويح.
وأضافت أن المجتمع الإماراتي لا يخلو من المحسنين الذين يقيمون موائد الرحمن على نفقتهم الخاصة، إلى جانب أهالي المنطقة الذين يتكفلون بإعداد الهريس وتوزيعه على كافة سكان المنطقة، وهي من الطقوس القديمة التي لا يزال المجتمع الإماراتي محافظا عليها وتعد ميزة شهر رمضان في الدولة، حيث جرت العادة بالنسبة لبعض المناطق في تخصيص مكان في الفريج لتحضير الهريس.
حيث يتكفل بذلك كافة أبناء الحي طيلة شهر رمضان، وذلك بهدف توزيع النفع والفائدة على الجميع، كما تحرص الكثير من الأسر المواطنة والمقيمة على تبادل الأطباق فيما بينها، إضافة إلى توصيلها للمساجد في إطار المشاركة في الفطور الجماعي.
ويغلب على أجواء رمضان في الصباح طابع الهدوء والسكينة، فالسيارات تسير بانتظام، والكل متجه إلى عمله بسكون، وتغلق أغلبية المحلات والمطاعم صباحا، ولكن تنقلب الموازين مع اقتراب موعد الفطور، فتنشط الأسواق والمطاعم وتزدحم الشوارع وتدب فيها حركة غير معتادة بشكل يومي، ولكن توجد مبادرات لطيفة تكمن في توزيع وجبات إفطار خفيفة على السائقين عند الإشارات، ما تسهم في تخفيف وطأة التوتر وتعمل على تسكين الأعصاب.
مائدة الفطور الشهية
وقالت فاطمة عيد : ربة بيت إن أجمل ما يحمله رمضان، الجو العائلي الذي يفرض على الجميع، حيث يتجمع كل أفراد العائلة على مائدة الفطور التي تحرص ربة البيت على تجهيزها بنفسها او بمساعدة من بناتها او الفئات المساعدة، وكانت مائدة الفطور في السابق تحتوي على صنف واحد معد من ربة البيت، إلى جانب أصناف أخرى مرسلة من بيوت الجيران.
فتكون المائدة عامرة بما لذ وطاب من الأكلات الشعبية الإماراتية، أما في الوقت الراهن فقد أضيفت على مائدة الفطور عدة تعديلات وتغييرات تترجم حال المجتمع الإماراتي الذي بات مطلع على الوصفات العالمية، ولا يعني ذلك خلو المائدة من الهريس والثريد أو(الفريد باللهجة المحلية) والخنفروش واللقيمات المضاف إليه الدبس او العسل، بل هي وجبات أساسية لا تكتمل مائدة الفطور إلا بها، جنبا إلى جنب مع الأصناف المفضلة لأفراد العائلة التي تحضرها ربة المنزل بيدها.
ولفتت إلى أن هناك مجالس نسائية تتماشى مع الرجالية في التجمع وتداول الأخبار والأحداث والسؤال عن أحوال الناس، فتكثر «السوالف» والأحاديث عن خصوصية الشهر وذكرياته وأهميته، وتقوم السيدات بالمساهمة في إحضار وجبات تفننت بتحضيرها خلال التواجد في تلك المجلس لتصبح هناك مائدة أخرى في بيت السيدة المستضيفة وهكذا، كما تدعو بعض نساء المجتمع شخصيات اجتماعية او مشايخ العلم لحضور المجالس، وذلك في إطار الاستفادة من الجلسات والتقرب إلى الله.
المجالس الرمضانية
وقال عامر عبدالحكيم إن لرمضان في الإمارات راحة وسكينة وظل دافئ يريح تعب أشهر السنة، فرمضان حافل بالعبادات واللقاءات والتجمعات والذكريات والمواقف الجميلة، وبالنسبة للشباب فإنه لا يمر رمضان دون تجهيز المجالس التي تقام في خيم في الأحياء السكنية يقابلها ملعب للعب كرة الطائرة بين أفراد الفريج والأصدقاء من (الفرجان) الأخرى.
فالخيام تعد دعوة للجميع في الجلوس فيها حتى ساعات متأخرة من الليل، ونادر ما ينام احد مبكرا في رمضان حيث يتيح الدوام المتأخر للشباب السهر لساعات تصل إلى الفجر، ولدى شريحة كبيرة من الشباب حب تجهيز المجالس وتعديلها والاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة مثل الانترنت وأجهزة التلفاز الحديثة وغيرها في المجالس الرمضانية.
استعدادات إماراتية متنوعة لرمضان
صيام ودعاء، تنافس في ختم القرآن، صلاة وتهجد، انشراح النفوس وانحسار الضغائن، ألفة وحميمية، مساجد عامرة ومجالس للذكر تعكس التقرب الديني العميق بين الشعب الإماراتي وربه، ولرمضان في الإمارات خصائص وميزات كثيرة، من بينها أنه أفضل الشهور التي يشعر بها المجتمع الإماراتي، فالجميع يتهيأ لاستقباله حسب طريقته، منهم من يفضل اغناء مخزن المنزل بكميات كبيرة من المواد الغذائية، وفئة أخرى تفضل تحضير الأطباق الخفيفة مثل «السمبوسة» والفطائر مسبقا قل حلول الشهر الفضيل، وآخرون يجتهدون للانتهاء من مستلزمات العيد للتفرغ في رمضان لأداء العبادات، والبعض الآخر يستعد له من خلال تجهيز الخيام والمجالس .
وتجديدها لاستقبال الأصدقاء، وبشكل عام تفضل الأسر الإماراتية والمقيمة تأجيل السفر لبعد رمضان والبقاء على ارض الدولة خلال الشهر ليشهدوا أجواءه المفعمة بالمحبة والألفة والمودة بين الأهالي والأصدقاء، فتخيم مباهج الفرح والسرور على الجميع من خلال التواصل والتزاور والتلاقي في المجالس والخيام والمساجد باعتباره شهر التجمع والحركة، وتحلو جلسات السمر في الأماكن العامة، حيث تتجدد الروابط الاجتماعية في رمضان وتتعزز المشاعر الدينية وتتجلى في عدة صور أهمها التسامح والتكافل والتلاحم بين الأفراد، والتقرب إلى الله والعودة إلى دفء العائلة والتركيز على تلبية احتياجاتها.
دبي - نادية إبراهيم:

