بساطة العيش وطيب النفس، سمات تجلت معانيها وسكنت قلوب أناس تغلبوا على شظف العيش وارتقوا بجمال أنفسهم وطباعهم التي رضت بالقليل وتقاسمته مع الآخرين، فعاشوا حياة هنيئة سعيدة تؤطر التلاحم الاجتماعي في صور مختلفة، وتزخرف حياتهم بالألفة والود والأمان والعطاء.
يعقوب محمد آل علي حد المواطنين الذي عاشوا في زمن فرضت عليه القيم الاجتماعية نفسها، فتحلو بصفات وشخصيات قوية ورثوها من إحساسهم بتحمل المسؤولية والصبر على الشدائد والإيثار والرضا بالقليل، يقول يعقوب:
«عايشت أيام الحياة البسيطة بإمارة عجمان دون كهرباء في السابق وذلك عندما كنت صبيا أسكن مع أسرتي في منزل واحد، ولكن طبيعة الحياة الاجتماعية آنذاك لم تكن تغلق فيها الأبواب أمام الجيران أو أفراد الحي الواحد، بل كانت البيوت مفتوحة للجميع، وكانت تكثر اللقاءات التي تهدف إلى التعرف على أحوال الآخرين وإعانتهم وتلمس احتياجاتهم.
كما كان الجميع يتشاركون في لقمة العيش التي لا تتوانى الأسر عن المبادرة بإطعام الجيران قبل أن تتناوله، وعلى الرغم من بساطة الحياة، إلا أنها كانت أجمل من حيث تفضيل الآخرين عن النفس والرضا بالأوضاع البسيطة والقناعة بالأحوال، لذا فإن الحياة كانت عامرة بالخير والبركة، كما كانت المودة والألفة والمحبة طاغية على العلاقات الاجتماعية فباتت قوية ومترابطة.
ولا زلت أتذكر جهود والدتي في تامين جو من الراحة لي ولأخواتي من خلال تهيئة مكان النوم في فناء المنزل، فكانت تبلل غطاء رأسها «شيلة طويلة من القماش الخفيف»، وتثبته على طرفي صندوق الفواكه «السحارة» الذي كان يصنع من ألواح الخشب، فنستلقي تحتها أنا وإخوتي لنشعر بالبرودة وننام».
وتابع: «بعد تلك الفترة دخلنا في مرحلة المولدات الكهربائية «الجنيريتر» ما أدى إلى انتهاء عصر «الفنر» أو الفانوس والولوج لعالم الكهرباء، فكانت الحكومة ولا تزال تعمل على تحسين أوضاع السكان ولها جزيل الشكر على جهودها المستمرة في تأمين احتياجات المواطنين والمقيمين على حد سواء، كما كانت تمد يد العون والمساعدة للجميع من خلال الدعم الحكومي الذي كان يحظى به كل مواطن.
وهو عبارة عن بطاقة المؤن، حيث كان يتم شراء اللحوم والمواد الغذائية الأساسية بأسعار زهيدة خلال شهر رمضان والعيد، وعلى الرغم من بساطة الأحوال والأوضاع إلا أن الناس كانوا يلمسون ارتفاعا في أسعار المواد الغذائية خاصة في رمضان ومواسم الأعياد والاحتفالات، فكانت الحكومة تدعم المواطن للتغلب على ارتفاع الأسعار من خلال الحصول على بطاقة المؤن».
رمضان في الماضي
وقال يعقوب آل علي إن استعدادات رمضان تشكل جوا عائليا بين أفراد الحي الواحد، فأبناء الفريج يلتقون في مكان واحد وكانوا يشعرون بحلاوة استقبال الشهر الفضيل، وتعم الفرحة على الكبار والصغار، فالجميع مترابط ولا ضير في المبيت لدى احد الجيران، كما يتوجه الرجال والشباب إلى المسجد لأداء صلاة التراويح والدعاء استعداد لشهر رمضان، فالود والعبادة والمشاركة من أبرز السمات التي يتحلى بها رمضان في الماضي، ويتم تبادل الأطباق بالنسبة لكافة الجيران.
وإن أعدت ربة البيت صنفا واحدا من الطعام، فإنها توزعه على جيرانها وتستقبل أصنافا متعددة من الأطعمة من الجيران لتصبح مائدتها مليئة بالخيارات، وفي بعض الأوقات تتفق ربات البيوت على الأصناف التي سيتم إعدادها بهدف التنويع وتفادي التكرار.
وعلى الرغم من الجزء المخصص للتوزيع، إلا أن هناك كمية مخصصة للمساجد، وكان الصبيان يوضبون المائدة المفتوحة في المساجد بمشاركة العمال والكبار، حيث كان تناول وجبة الفطور مع الناس والجماعة، فيتواجد الغني أو الفقير على المائدة، ما يقرب بين المستويات الاجتماعية ويعزز الترابط والتلاحم الاجتماعي بين المواطن والمقيم والعمال من مختلف الجنسيات، وكان الهدف من الإفطار الجماعي الإحساس بالآخرين خاصة العامل البسيط والفقراء، لافتاً إلى أن تلك العادة لا تزال موجودة في مجتمعنا ولكنها ليست كالسابق.
حيث يرتكز الإعداد والمشاركة في موائد إفطار الصائمين على أبناء الأجيال السابقة، وقلة من يحرص على تنفيذها وتناول الفطور مع الجماعة في الوقت الراهن، وأناشد الجميع بالمحافظة على العادات القيمة التي حث عليها ديننا الإسلامي وعدم التفريط فيها لما لها من فوائد اجتماعية كثيرة تحقق مبادئ التكافل والألفة والترابط الاجتماعي بين الجميع.
وفي المساء يتلاقى الصغار والشباب للمشاركة في الألعاب المختلطة بين الجنسين، حيث كانت العلاقات الاجتماعية بين الشباب والبنات تقوم على منهج الأخوة لا أكثر، فالمشاركات الاجتماعية بين البنات والشباب كانت موجودة بأريحية مع معرفة حدود العلاقة وعدم تخطيها وتجاوزها، وعلى الرغم من خطورة بعض الألعاب التي قام بها.
وهي على غرار الألعاب النارية ولكن بإمكانيات بسيطة، حرق الليف المستخدم لغسل الأواني والصحون والإمساك بطرفه لأداء حركات استعراضية يتطاير من خلالها الشرار في الهواء، وكانوا يلهون كثيرا بهذه اللعبة ويتم التحدي والتنافس أمام الآخرين، جنباً إلى جنب مع التفنن في صناعة الدراجات الهوائية «السياكل» وتزيينها، حيث كان «السيكل» من أهم الأشياء التي يقتنيها الشاب في رمضان، ومن خلاله يتسنى للجميع التجول بين الفرجان والمناطق البعيدة، كما لم يكن للحذاء قيمة آنذاك، حيث أن الألعاب التي مارسها وأصدقاءه لا تتطلب انتعال الأحذية.
الاستعداد لعيد الفطر
إن نمط العيش القديم كان يسهل على الناس الحصول على احتياجاتهم في مكان واحد، فكانت الأسواق الشعبية تجمع كافة احتياجات الأسرة من ملابس وحلويات وزينة وغيرها، ولا يمكن التجهيز للعيد دون التوجه إلى سوق الظلام بالشارقة وسوق مرشد بدبي.
فالإحساس بطعم العيد يأتي أولا من التنقل بين المحلات الممتدة على ضفتي هذين السوقين، أما من أراد شراء المستلزمات الفخمة من الملابس والأحذية فإن شارع الوحدة بالشارقة يعد الخيار الأمثل، وكلها أسواق تجول فيها يعقوب آل علي وأسرته، بل كان جميع أفراد الفريج يتواجدون فيها، فينقضي رمضان ويهم الصغار لجمع العيدية من بيوت الجيران، كما يجتهد الآخرون بالذهاب إلى الفرجان الأخرى للحصول على نقود أكثر ممن تقتصر عيديتهم على حيهم السكني، ومن الطرائف التي لم يبالي بها الصغار، أن من يحول دراهمه إلى أوراق نقدية يكون الخاسر.
حيث أن بعض البيوت يسألون فيها عمن يريد أن يستبدل نقوده التي جمعها لعملة ورقية، ويتدافع هو وأصدقاءه لنيل العملة الورقية باستبدال نقوده، في حين يحصل الآخرون على دراهم ولا يحظى بشيء باعتباره حصل على عملة ورقية إما خمسة أو عشرة دراهم مقابل خمسة أو عشرة دراهم معدنية دون درهم إضافي.
دبي - نادية إبراهيم
