لكل منا ذكريات رمضانية تسوقه إلى عوالم ماضية مفعمة بالطرائف أو الصعوبات، مواقف لا تنسى بمرور السنوات، وهي الأبقى رغم تداول الشهور والأيام والساعات، تدوم في الذاكرة ما دام صاحبها يجدها علامات فارقة في حياته.

في البحر وبحكم التصاقه بواقع نطق فيه أولى حروف بداية مشواره في العمل والمستقبل، تعددت المواقف الرمضانية التي التصقت بذاكرة الشاعر والباحث الإماراتي سلطان خلفان بن غافان، وهو الذي وجد نفسه طفلاً صغيراً يجابه الصوم، فحينما بلغ عمره ستة أعوام بدأ بن غافان التدرج في صيام أيام رمضان، وحينها كان يصوم يوماً ويفطر آخر، إلى أن تمكن من الانتظام في صوم الشهر كاملاً وهو في سن الثامنة.

يقول سلطان بن غافان إن شهر رمضان في سنوات ماضية كان مناسبة دينية واجتماعية عامرة بالسمات الإيجابية، فيه الخير والمحبة واللقاء والتزاور والتعاون بين الأقارب والجيران وأبناء الحي عامة.. الجميع يحمل ما لديه من طعام للمشاركة في إفطارات جماعية في نطاق الحي الواحد، وفي تلك الأيام لم تكن الكهرباء أو الماء بذات السهولة التي هي عليه الآن، والبيوت كذلك كانت مصنوعة من الجريد «العشيش» والطين، وكل تلك الأجواء تركت في نفوس أبناء الماضي ذكريات رمضانية لا تنسى وهي التي وجدت في خضم بحر من الصعوبات.

في رمضان قديماً يذكر سلطان بن غافان أجواء معيشية كانت غاية في الصعوبة، ولم تكن أجواء الصوم في تلك الظروف بمعزل عن المعاناة التي تشكل جزءاً من حياة الناس آنذاك، وقديماً لم يكن أمام الناس سوى العمل والاجتهاد، أما السهر فهو سلوك محظور على الجميع، وبعد صلاة التراويح يحرص الناس على التزاور قبل أن يتجهوا للنوم ثم الصحو وقت السحور وأداء الصلاة والاستعداد ليوم مليء بالعمل والمثابرة، وتلك ميزة رمضانية تنتعش دائماً في ذاكرة من عاشها كما يؤكد بن غافان.

صعوبة ومعاناة

غير ذلك يسجل سلطان بن غافان في ذاكرته موقفاً لا يخلو من الصعوبة والمعاناة، حصل معه وهو صائم وفي عرض البحر، فبعد صلاة عصر أحد أيام منتصف شهر رمضان حيث القمر بدراً، وحينما كان عمره ثلاثة عشر عاماً، ركب سلطان قاربه الصغير وحيداً وحمل معه شيئاً من التمر والماء يحتاط بهما إن جاوزه وقت الإفطار، ثم أبحر بهدف صيد «الحبار»، وسريعاً انهمك سلطان في الصيد، حتى وجد نفسه وقد ابتعد مسافة كبيرة عن الشاطئ، وذلك بحكم المد والجزر القوي في تلك الأيام.

في الفترة تلك من ستينات القرن الماضي كان بن غافان يملك ساعة «وستن» وهو يعلم أن أذان المغرب عند الساعة السابعة، وعندما التفت إلى الوقت وجد أن موعد الإفطار قد جاوزه، فتناول التمر والماء وأخذ جاهداً يحاول العودة بقاربه، فظل يصارع موج البحر لساعات طويلة صعبة، إلى أن وصل بثقة بعيد انقضاء صلاة التراويح، وبذلك يسجل سلطان خلفان بن غافان موقفاً لا يغيب عن ذاكرته مهما تعاقبت شهور رمضان.

وفي موقف آخر، وقد اعتاد سكان الحي التجمع بمأكولات متنوعة من أجل الإفطار الجماعي، وقبيل الغروب حمل سلطان بن غافان صينية «العصيدة» فوق رأسه وذهب بها مسافة تقارب 500 متر من أجل المشاركة في الفطور الجماعي، وفي تلك الأثناء كانت السماء تمطر بغزارة، ولم يلتفت سلطان إلى ما يحمله، وحينما وصل إلى مكان تجمع أهل الحي لتناول الإفطار الجماعي، بدأ الحاضرون يستفسرون من سلطان عن سبب الزيادة اللافتة في السمن البلدي الموضوع على العصيدة، قبل أن يكتشف الجميع أنه ماء المطر وقد تجمع فوق قدر العصيدة، واختلط بمكوناتها.. وذلك موقف آخر تأبى ذاكرة بن غافان التخلي عنه.

ويؤكد الشاعر والباحث سلطان بن غافان أن العائلات قديماً كانت مهتمة إلى حد لافت بمناسبة الشهر الفضيل، الذي ظلت أيامه تشكل دافعاً قوياً لتعليم الصغار قراءة القرآن ومخالطة الكبار في مجالسهم والنزول معهم إلى عالم البحر من أجل البحث عن أسباب الرزق، وهو شخصياً تعلم القرآن لدى الكتاتيب، وكان ولا يزال أحد أبناء البحر الأوفياء، قال فيه شعراً وتأمل في أمواجه كثيراً وصارع البقاء فوق مياهه مرات ومرات.. وإلى اليوم يحفظ للبحر وللشهر الكريم مواقف وذكريات تأبى الرحيل.

دبي ـ عنان كتانة