لم تعد التكنولوجيا مقتصرة على العمل فقط، فقد استأثرت بكل جوانب حياتنا واستطاعت أن تنقلنا على جناحيها من محيطنا الاجتماعي الحقيقي إلى المحيط «الافتراضي» الذي أصبح يسيطر على كل شيء في حياتنا، وشهر رمضان ليس بمنأى عن هذا المحيط فقد دخل هو الآخر ضمن تقليعات التنكولوجيا الحديثة.

وإلى جانب ما يتمتع به شهر رمضان المبارك من خصوصية روحانية، فله خصوصية اجتماعية متميزة التي يسودها التكافل الاجتماعي، وبعودة سريعة سنجد أن العلاقات الاجتماعية في رمضان قد اختلفت كثيرا بين الأمس واليوم، فقد حلت «مسجات» و«ايميلات» التهنئة بحلول الشهر الكريم، مكان العلاقات الاجتماعية المباشرة، والزيارات التي كانت تساهم في تعميق التواصل الاجتماعي، وبمجرد الإعلان عن ثبوت هلال الشهر الكريم حتى يبادر الجميع بإرسال ما لديه من «مسجات» تتعلق بالشهر الكريم إلى الأصدقاء والأقارب وكل الأعزاء، الأمر الذي يوفر عليهم عناء الزيارة المباشرة والتواصل الاجتماعي، وهنا يثور السؤال إلى أي حد تمكنت هذه الوسائل من احتلال مكان هذه العلاقات، وإلى أي حد بات الجميع يتعامل بهذه الوسائل، وكيف يرونها في ظل كل هذا التطور.

إغراء التكنولوجيا... يقول محمود صبري الذي يستعمل هذه التقنيات في تهنئة أصدقائه بمناسبة حلول الشهر الكريم: رغم الفوائد التي تنطوي عليها التكنولوجيا، لا يمكن إنكار أنها تمكنت من إغراء الناس وأجبرتهم على الجلوس في منازلهم وإهمال العلاقات الأسرية والاجتماعية، وقد عوضت ذلك بخدمتي «الرسائل النصية القصيرة» والبريد الالكتروني اللتان أصبحتا وسيلتان سهلتان وسريعتان يمكن من خلالهما الوصول إلى أكبر عدد ممكن وفي أقصر وقت ممكن ودون حركة تذكر، وأضاف: أدرك بان هذه الوسائل لا تتنافى مع آداب شهر رمضان ولكنها باتت تؤثر على علاقاتنا الاجتماعية وتحرمنا من التواصل المباشر، وهو ما يجعل من أشهر رمضان التي نعيشها مختلفة تماما عن تلك التي عاشها آبائنا وأجدادنا.

أيمن المكي، الذي يستخدم هو الآخر الوسائل الحديثة في تهنئة كل من يعرفهم بمناسبة حلول شهر رمضان قال: لقد بدلت التكنولوجيا من عادات الناس وأجبرتهم على التخلي عن العديد من قيمهم التي كانت في السابق سائدة فيما بينهم، مثل الزيارات الاجتماعية المباشرة والسؤال عن الآخرين بين الوقت والأخر، والتي تحولت جميعها إلى «مسجات» أو «ايميلات» أو أبعد من ذلك بأن أصبح بعض الشباب يختارون المواقع الاجتماعية مثل «تويتر» و«الفيس بوك» وغيرها لتقديم التهنئة لكل من يعرفونه أو لا يعرفونه، وهو ما زاد من الانطوائية لدى بعض الشباب.

وتابع: لا أرى وجود مشكلة في تبادل رسائل التهنئة القصيرة أو البريد الإلكتروني بين الناس خاصة ممن تفصلهم مسافات بعيدة، ولكن يجب أن نراعي أهمية المحافظة على العلاقات الأسرية والاجتماعية فيما بيننا، لأنها هي التي تقوي عضد المجتمع.

وسيلة سهلة

مع حلول الشهر الكريم يبدع الكثير في كتابة رسائلهم النصية القصيرة وبعضهم يقضي أياما في البحث عن صورة مناسبة تليق بالشهر الكريم، وذلك كمحاولة للتميز عن ما يقدمه الآخرين في هذا المجال، وحول ذلك قال إسماعيل مجدي، الذي اعتاد على تهنئة أصدقائه عبر البريد الالكتروني: لقد أحدثت التكنولوجيا نقلة نوعية في أسلوب حياتنا، وبالنسبة لي استخدم بريدي الالكتروني لتهنئة كل من أعرفهم سواء أصدقاء الطفولة أو العمل.

وبالنسبة لي أحب هذه الطريقة جدا ليس لأنها سهلة فقط، وإنما لأنها توفر الوقت والمال، وأخجل عندما أقول إنني اقضي أياما عدة قبل حلول الشهر الكريم وأنا ابحث في الانترنت عن صورة مناسبة تليق بحضرة الشهر الكريم وتناسب نص التهنئة الذي أعددته مسبقا لأرسله إلى جميع من اعرفهم، وللذين اعتادوا مني على ذلك وهم يتعاملون معي بذات الطريقة، ولكن ذلك لا يمنع أن أذهب لزيارة بعض الأقارب بمجرد الإعلان عن الشهر الكريم.

تكنولوجيا

التواصل الإلكتروني وسيلة سهلة

يمكن القول أن رمضان هذا العام قد يبدو مختلفا على الشبكة العنكبوتية، بعد انطلاق حملة يقودها بعض الشبان للمطالبة بوضع شعار خاص بشهر الرحمة على موقع البحث المعروف «غوغل» والموقع الالكتروني «فيس بوك»، ويعمل أصحاب الحملة على جمع 30 مليون توقيع لتحقيق هدف هذه الحملة التي قالوا بأنها تحمل معاني نبيلة.

وقال أحمد رفيق: أنا دائم التواصل مع أصدقائي عبر البريد الالكتروني الذي أجده وسيلة سهلة وسريعة، ومنذ أن بدأت باستخدامه تعودت على تهنئة أصدقائي من خلاله وهم يبادلونني ذات الطريقة التي أرى بأنها ما زالت تحافظ على التواصل الاجتماعي فيما بيننا.

وتابع: أحيانا كثيرة أعيد التفكير في شكل العلاقات الاجتماعية القديمة وكيف أصبحت بعد التكنولوجيا، فقديما اعتاد الناس على الاتصال بين بعضهم عن طريقة الزيارات واللقاءات المباشرة ولكن الآن اختلف الوضع تماما وأصبحت هذه الزيارات تتم من خلال المواقع الاجتماعية الالكترونية أو البريد الالكتروني أو حتى الرسائل النصية القصيرة، واعتقد أن هذا التحول مفيد جدا للجميع فهو حافظ على الوقت وكذلك على العلاقات الاجتماعية التي تنمو من خلال التواصل المستمر.

دبي - غسان خروب