الرواية تُقرأ من عنوانها الذي يربط بين دلالتين، إحداها تسبق الأخرى، وتبدوان في الوهلة الأولى غير منسجمتين بل مفارقتين:الجمر والرماد. لكن عندما نبحث في الدلالة المعجمية لجمع المؤنث السالم «النكايات»، ومفرده النكاية، التي تعني باللهجة الشامية إغاظة (جكارة ) وفي اللغة العربية : الهزيمة والغلبة أو الجرح. نجد أن هناك علاقة مجازية بين نيران الجمر وحرقة الإغاظة وآلام الهزيمة والقهر. من هنا يتبدى لنا أن اختيار العنوان كان موفقا إلى أبعد الحدود.

مدينة

تندرج هذه الرواية ضمن سلسلة روايات المدن، أي أننا أمام سيرة فضاء بشري وعمراني وجغرافي محدد سلفا، وهو دير الزور، والاسم الحقيقي هو ديار الزَور. وهي مدينة سورية تقع على نهر الفرات الذي يمر في مناطق أثرية هامة في «الجزيرة الفراتية السورية»، أقدم مواطن البشرية، وفيها الكثير من الأوابد الأثرية، حيث تتمركز المدينة في منطقة سورية تعج بالمدن والمواقع والتلال الأثرية، والتي تعود لأقدم الحضارات.

تنطلق الرواية بصوت شجي ونوستالجي. صوت تلتهمه الذكريات والحنين إلى ماض جميل يقابله حاضر مثقل بالأسى وعدم الرضا. يعود عادل إلى بلدته الأصلية دير الزور بعد عشرين عاما من الغياب، يصاحبه شعور أن ما فات لن يعود أبدا كما كان: « لم يراودني شعور الرهبة من المقابر الآن وأنا أعود لزيارة دير الزور بعد عشرين عاماً.. يتلاشى الفزع من الموت حين يدنو العمر منه، فبعد الأربعين تبدأ الدنيا تنزلق من بين أصابعك وأنت تنظر بحيادية إليها. أكثر ما تقدر فعله هو انتظار ما ستجود عليك به ذاكرتك من أيام مضت... ».

عودة

خلال هذا الاسترجاع وعلى إيقاع الحافلة، وهي تشرف على مقبرة دير الزور، يرد إسم السيدة هداية مرتين في الصفحة 8 والصفحة 9، مع سؤال صريح: ترى أي من هذه القبور يحنو اليوم على جسد السيدة هداية؟ في إشارة إلى أن الحكاية الجارية لن تكون سوى استدعاء لذكرى هذه السيدة....تخيلت أن روح السيدة هداية بنظراتها الحادة كنصل محارب عتيق.

ولكي تكتمل دورة الحكاية كان لا بد للسارد من وسيط أو مسرود له.عاد إذن عادل بعد غيبة طويلة لزيارة أخته منى، الأخت الوحيدة التي بقيت في دير الزور بعد رحيل الوالدين إلى حماة، نتعرف على منى التي كانت تتوفر على موهبة عالية في الرسم لكنها للأسف توقفت مستسلمة لاكراهات الزواج والأبناء.

يختار عادل / السارد، ابنة أخته نورـ الموصوفة الجمال والذكاء والثقافة الاجتماعية الأكاديمية ـ وسيطا سرديا نموذجيا، ليمرر من خلاله حكاية السيدة هداية وحي الكجلان.

ولا بد من الإشارة هنا إلى الدلالة السيميولوجية التي يحملها اسم «نور»، خصوصا إذا قابلناه مع الزمن المسيطر على القول السردي، وهو زمن الماضي كزمن عام، وزمن المساء والليل كزمن خاص.

ويقص السارد(عادل) ل نور، في هذه الرواية، حكاية السيدة هداية: «امرأة جديرة بالاحترام»، كانت تعيش في حي الكجلان، مديرة سابقة لمدرسة بنات فقدت ابنين وتقيم رفقة ابنة مصابة بالهستيريا. لا تملك من الدنيا غير كرامتها ومبادئها الفاضلة.

لحد الآن الأمور عادية، فالسيدة هداية مغمورة بين سكان حي الكجلان الذين يعيشون حياة مهمشة اجتماعيا، لكن فجأة تقرر السيدة هداية أن تنبعث من تحت الرماد معلنة ترشحها للانتخابات النيابية، وهنا نقطة التحول لأن السيدة هداية ستصر على ترشحها أمام السلطات الرسمية المستهجنة لهذا السلوك، فهي تقبل أن يكون الصراع اجتماعيا، لكن أن يتحول إلى صراع سياسي فهذه الأمور لها أصحابها الذين يعرفون ألاعيبها ودواليبها.

وفي خضم الحملة الانتخابية كانت شخصية كسار حاضرة بقوة لأنها شخصية ابن الحي الشعبي الأصيل الشجاع والشهم، ولا ننسى الإحالة الرمزية والتاريخية على اسم فيلاكسار الجراحلالا، بطل دير الزور خلال فترة المقاومة.

لكن عندما ستبدأ المساومات والإغراءات المادية من طرف المرشحين الآخرين، سينهار كسار النبيل لينهض كسار الانتهازي المستسلم للفساد الانتخابي، كسار سيقبل في البداية بيع أصوات الحي، لكن بعد صراع داخلي سينتصر كسار النبيل ليقف إلى جانب أبناء حيه متزعما حملة السيدة هداية إلى نهايتها، لكن سرعان ما انتهى الحلم بهزيمة السيدة هداية وانطفاء نار التغيير والمتقدة في قلوب الناس البسطاء. الرواية انتهت بطبيعة الحال بفوز إرادة المال والمؤامرة والشر على إرادة الحلم والبساطة والبراءة والخير.

فرزات في سطور

عدنان فرزات، كاتب وأديب وناقد وصحافي سوري، مهتم بالأدب والقصة والشعر. شغل منصب رئيس تحرير مجلة الدومري في سوريا، ومسؤول صفحة قضايا أدبية في جريدة القبس سابقاً، ومنصب سكرتير تحرير جريدة الأنباء الكويتية، ويعمل حالياً كاتبا وباحثا في مجموعة من المجلات والجرائد، إضافة إلى كونه باحثا في مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري.

سعيد بوكرامي