في مساحة لا تزيد عن نصف كيلومتر مربع، تقع بين ميدان بني ياس وشارع صلاح الدين، تتبعثر بغير انتظام مجموعة كبيرة من محلات بيع الأثاث والأدوات المنزلية المستعملة.

وعلى أزقة ضيقة متعرجة تتكدس جبال من الأثاث المستعمل والأجهزة الكهربائية، التي ضاقت بها المحلات، فلم تجد لها مأوى إلا قارعة الطريق، وتحت أشعة الشمس الحارقة، وفي مناخ مشبع بالرطوبة يهرع مجموعة من الحمالين مشدودي القوام كخيزران صلب، إلى شاحنة صغيرة، لتفريغ حمولتها، فيما تكدّ مجموعة أخرى لتحميل شاحنة أخرى. هكذا تبدو الصورة... خلية نحل لا تعرف الهدوء، وجلبة صاخبة، ودرب يعج بالمارة... هذا يسأل عن السعر وحين لا يروق له يمط شفتيه للأمام ممتعضاً، وذاك يدخل في جدل مع بائع فيقسم له بأغلظ الإيمان، بأن سعره أعلى من سعر نفس السلعة وهي جديدةً، وآخر تلمع عيناه ببريق السعادة أو الطمع، عندما تقع على ما يبحث عنه.

هواية خاصة... لتكن البداية مع المتسوقين للتعرف على دوافعهم للتردد على هذا السوق، حيث يقول أحمد عادل - غطًاس في شركة خدمات نفطية: لا أقصد سوق المستعمل راغباً في شراء أشياء بعينها، ولكنني من هواة تفقد السوق من حين لآخر، عسى أن أحظى بصفقة رابحة أو أجد سلعة ما بسعر بخس. ففي هذا السوق كثيراً ما يجهل الباعة قيمة ما يعرضونه من بضائع، وقد سبق لي أن اشتريت ثريا من الكريستال البلجيكي بسعر ثلاثمائة درهم، ولما سألت عن سعرها الأصلي لدى الوكيل، وجدت أن قيمتها تزيد عن خمسة آلاف درهم. ويضيف أحمد بقوله: الباعة في هذا السوق يتبعون إستراتيجية بيع معروفة بالنسبة لمعتادي التعامل معهم، حيث يبدؤون مفاوضاتهم بطرح سعر مرتفع للغاية، وعلى الزبون عندئذ أن يطرح سعره بحيث يكون منخفضاً للغاية، ومن ثم تبدأ مرحلة التفاوض، والرابح في النهاية هو الأطول نفساً.

الحصار

ويقول زياد بن عيسى - شيف حلويات في أحد الفنادق: لا توجد ضوابط تحكم عملية البيع أو الشراء في هذا السوق، والملاحظ أن التجار يتبعون أسلوباً محكماً لمحاصرة راغبي البيع، فهم في بداية اليوم يقرؤون الإعلانات المبوبة المنشورة في الصحف العربية والإنجليزية، ثم يتصلون بالمعلنين ويذهبون لمعاينة البضائع المباعة، ويقدمون عروض شراء مجحفة وأسعارا منخفضة، ولما يرفض البائع يغادرون من دون إبداء اهتمام. وبعدئذ تبدأ مرحلة المناورات، حيث يتفق التجار معا على حد سعري أعلى، ولا يزيد عادة عن العرض الأول، ثم يتوافدون على البائع واحداً تلو الآخر، ويقدمون عروضهم المنخفضة، حتى يتسرب اليأس إلى نفس البائع، ومن ثم يرضخ لهم.

ويروي محمد المحمود تجربة تعرض لها حينما قرر تجديد أثاث بيته، حيث حاول آنذاك بيع غرفة جلوس كان قد اشتراها بمبلغ ستة آلاف درهم، قائلا: لجأت إلى تجار الأثاث المستعمل لبيع الغرفة، وكانت حالتها على أفضل ما يكون، وكنت لا أعقد آمالا كبيرة على أن أحظى بسعر عادل، ومن ثم حددت سعر البيع النهائي بمبلغ ألف درهم فقط، وكانت مفاجأة غير متوقعة، حينما بدأ التجار يتوافدون على بيتي ويطرحون عروضهم. كان أعلى سعر حصلت عليه هو أربعمائة درهم، الأمر الذي أصابني بالغضب ودفعني إلى العزوف عن فكرة بيع هذه الغرفة، والاستعاضة عن ذلك بإهدائها لأحد أصدقائي.

وتقول سيدة عربية ارتسمت على محياها قسمات الحزن والحيرة: فقدت مؤخراً عملي، وسأضطر إلى مغادرة الدولة والعودة إلى وطني قريباً... لدي أثاث منزلي وأجهزة إلكترونية فاخرة، لا يزيد عمرها عن عام ونصف... وقد اشتريت هذه الأشياء جديدة بسعر يتجاوز الأربعين ألفاً، ولما أتيت إلى السوق بحثاً عمن يشتريها، فوجئت بأن أعلى سعر حصلت عليه هو خمسة آلاف درهم. وتتابع: هذا إجحاف سافر وإرغام للمحتاجين ممن اضطرتهم الظروف إلى بيع أشيائهم، وممن أدارت لهم الدنيا ظهرها، وانقلبت حال الرغد التي كانوا ينعمون بها، إلى حال شقاء وعناء.

الأمر بالتراضي

بعد هذه الآراء... ترى كيف يرد التجار على الاتهامات الموجهة إليهم بأنهم يبخسون الناس عند الشراء ويرفعون سعر البيع؟ هل صحيح أنهم يستغلون ظروف المحتاجين ويحققون ثرواتهم من دموع الخاسرين المضطرين؟ وما صحة ما يقوله البعض من أنهم كثيراً ما يبيعون أشياء خربة دون أن يبلغوا الزبون بذلك، مما يجعل الزبون ضحية عملية غش؟

يقول محمد فهيم إن عملية البيع والشراء تخضع لضوابط السوق، فالتاجر لا يجبر البائع أو المشتري، وإنما يحدد سعره سواء للبيع أو الشراء، والمسألة بعدئذ تتم بالتراضي بين الطرفين. وبالنسبة لما يروجه البعض حول اتفاق التجار على أسعار منخفضة، وقيامهم بمحاصرة راغبي البيع حتى يرضخون لشروطهم، فهو أمر لا يمت إلى الصحة بصلة، ذلك أن طبيعة السوق، وما تتسم به من تنافس شديد بين التجار، تدفعهم جميعاً إلى السعي من أجل الحصول على البضائع الجيدة، فالسلعة الجيدة تبيع نفسها، ولا تتطلب من التاجر مجهوداً كبيراً لترويجها.

ويرى محمد ناصر أن البائع ليس مضطراً للبيع لتجار السوق في حال شعر بأن السعر غير عادل، فبوسعه الإعلان عن سلعته في الصحف اليومية، ولو كان السعر عادلاً سيأتيه ألف مشتر. ويضيف أن أسعار البيع في السوق تعتبر منخفضة للغاية، وتجارة الأثاث المستعمل تعتبر الملاذ الأفضل لمحدودي الدخل ممن يرغبون في تأثيث بيوتهم بأسعار منخفضة، حيث من الممكن للمشتري أن يحظى بأثاث غرفتين وصالة مع الأجهزة الإلكترونية، بسعر لا يزيد عن خمسة آلاف درهم، مؤكداً أن السوق يفرض شروطه على الجميع، وأن التاجر لو بالغ في سعر بضائعه، فلن يجد من يشتري، حيث يضم السوق أكثر من 50 تاجراً وكلهم يرغب في تصريف بضائعه لشراء بضائع جديدة، وهكذا تدور العجلة الاقتصادية.

غش متعمد

ويعترف وزير خان بأن بعض التجار يقومون بعمليات غش متعمدة للزبائن، وخصوصاً بالنسبة للأجهزة الكهربائية، وذلك لأنه لا توجد مسئولية قانونية على التاجر لو باع زبونا أجهزة معطلة، أو ذات عيوب فنية، لأن الفواتير تنص على أن البضاعة غير مضمونة ولا يمكن إرجاعها. ويجب على المشتري في كل الحالات أن يكون يقظاً ويقوم بمعاينة ما يشتريه بعناية، وأن يحاول الضغط على البائع في حال كان يشتري أجهزة كهربائية لكي يحصل على ضمان لمدة يومين على الأقل، ولا بأس في أن يقوم بتشغيل الجهاز المراد شراؤه لفترة زمنية مقبولة، حتى يطمئن قلبه ولا يخسر أمواله.

ويرى حاجي خان أن مسألة البيع والشراء تخضع أولاً لضمير البائع، فالتجار ليسوا كلهم غشاشين، كما أن كلهم ليسوا بشرفاء، وهو الأمر الذي يستدعي أن يولي المشتري كل عنايته لتفقد السلعة قبيل شرائها حتى لا يقع ضحية تاجر يفتقد لقيمة الصدق والنزاهة في تعاملاته. وينتقل حاجي إلى مشكلة أن السوق يفتقر إلى مواقف تحميل وتنزيل البضائع، وهو الأمر الذي يعرض التجار لطائلة المخالفات والغرامات التي قد تأكل أرباحهم، ويؤدي بطبيعة الحال إلى قيامهم برفع أسعارهم حتى يعوضوا الخسائر التي يتكبدونها. كما يتناول ما يصفه بمخالفات إشغال الطريق المبالغ فيها، والتي قد يتعرض لها التجار في حال كانت بضائعهم معروضة خارج الدكاكين، وأيضاً في حال تم تنزيل هذه البضائع من الشاحنات، ووضعها خارج الدكاكين لفترة مؤقتة حتى يتم نقلها إلى الخارج. مع ملاحظة أن قيمة المخالفة الواحدة تتراوح ما بين خمسة وعشرة آلاف درهم، مما يشكل عبئاً كبيراً على كاهل التاجر، علماً بأن ما من تاجر في السوق، لم يتعرض لهذه الغرامات، مشيراً إلى أن وجود مخالفات لضبط التجاوزات أمر لا يمكن لأحد أن يعارضه، غير أن المشكلة تكمن في أن توقيع الغرامة قد يحدث في أثناء تحميل أو تنزيل بضائع من السيارات.

الشرطة تتابع

أثناء إجراء هذا التحقيق، لوحظ مرور رجل عربي يوليه الباعة كل الاحترام، ويحرصون على التودد إليه، مما أوحى بأنه معروف لديهم وذو أهمية خاصة.

ولوحظ أنه يدخل كل المحلات ويقوم بالنظر في أوراق ما، ومن ثم يدخل في حديث طويل مع الباعة. وبسؤال أحد التجار عن هوية هذا الرجل وسر اهتمامهم بالترحيب به قال: إنه مسئول من شرطة دبي، يأتي السوق بصورة يومية لتفقد ما يشتريه الباعة من بضائع، وللتدقيق في أن كل تاجر قد حصل على صورة ضوئية من إثبات شخصية كل من ابتاع منه أثاثاً وذلك للتأكد من عدم وجود حالات سرقة.

وأكد التاجر ذاته أن عملية شراء الأثاث المستعمل تحظى برقابة دؤوبة من شرطة دبي، وفي حال خالف تاجر شروط الشراء، فإنه يعرض نفسه لطائلة عقوبات قانونية صارمة.

متاعب الضمان

قال أحد التجار إنه لا يمكن أن يمنح ضمانا للأجهزة الإلكترونية والكهربائية المستعملة، لأن وجود ضمان قد يتسبب في إدخال التاجر في دوامة من المتاعب، هو في غنى عنها. وأضاف أن التاجر حينما يشتري شيئاً ما من بيت أحد الزبائن، فإنه لا يحظى بضمان، ولا يحصل على ما يطمئنه لسلامة هذه السلعة، وكثيراً ما يحدث أن يخرب جهازاً ما قبيل بيعه، مما يضطر التاجر إلى الإلقاء به في سلة المهملات... فالأمر يخضع للحظ، وقد يكون التاجر عاثر الحظ في بعض الحالات، وما ينطبق على التاجر ينطبق على الزبون.

تفاهم

سلع للبيع بدون ضمان

يعتبر سوق الأثاث المستعمل مقصداً مهما لعدد كبير من محدودي الدخل الراغبين في تأثيث بيوتهم بأسعار تتناسب مع قدراتهم الاقتصادية، كما يعد السوق مقصدا لتجار الجملة الأفارقة الذين يتوافدون على دبي، وهؤلاء يعتبرون بالنسبة للباعة فرائس ثمينة، حيث يشترون بكميات كبيرة وبأسعار مرتفعة للتصدير إلى أوطانهم الأصلية، ومن اللافت للانتباه أن بعض المعروضات تكون في حالة أشبه بالجديدة، وتبدو غير مستعملة. أما أسعار الشراء فهي في أغلب الأحيان مرتفعة، ولكن ليس هناك ما يرغم المشتري، فالأمر يتم بالتراضي بين الطرفين.

لكن الصورة النمطية التي علقت بأذهان المتعاملين مع سوق الأثاث المستعمل، هي أن التجار أو معظمهم يبخسون السلع قيمتها ومن ثم يعيدون بيعها بأسعار مرتفعة، بل وصل الأمر في حكاية وصلت إلى المحاكم، إن أراد أحد الأشخاص استرداد ما باعه لأحد التجار في نفس اليوم، فوجد سعر أغراضه قد زاد إلى الضعف. وقد يحدث أن يستغل تاجر جهل أحد المتسوقين بقيمة السلعة الأصلية، فيبيعه إياها بسعر مبالغ فيه، وعندئذ لا يستطيع المشتري استرجاع نقوده لأن الفاتورة تنص على أن السلعة المباعة غير قابلة للرد ولا تخضع للضمان.

دبي - محمد مصطفى موسى