ما إن تقع عينك للوهلة الأولى على مدينة قدفع، وطبيعتها الجبلية الأخاذة، حتى تعلق نظراتك في شراك الأسلاك الممتدة في الأفق، والمنتصبة على أبراج كهربائية، جعلتها «مَعلماً مشهوراً» غير مرغوب فيه بين أهالي المنطقة، يخدش طبيعتها، وينفث الحديث المتداول عن مضارها بين أزقة الأحياء السكنية، حيث باتت تمتد على شارعين يعدان شرياناً رئيساً لأهالي المنطقة. وبالرغم من أن تلك الأبراج الشاهقة تشكل بصمة على النهضة التي تشهدها الفجيرة وشتى مناطقها، إلا أنها باتت على المحك، وباتت الدراسات والآراء والقناعات حول أضرار هذه الأبراج بين مد و جزر، بين تداول وسائل الإعلام لها والبحث عن الحل، وبين تحاشي الجهات المختصة الخوض في تفاصيل إزالتها.

نستغيث..فهل من مغيث.؟!... «التطور العمراني لا يقاس بالإسمنت والطوب بل بالإنسان حكمة قالها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان طيب الله ثراه..، ولكن وللأسف بات الإنسان اليوم وصحته آخر اهتمامات الجهات المسؤولة..وبتنا سلعة رخيصة وضريبة للمشاريع الكبيرة..!!».. هكذا استهل المواطن طارق راشد الشحي حديثه معبراً عن أسفه الشديد لتجاهل المسؤولين مطالبة والده الحصول على منزل شعبي كتعويض له، بعد ان غدا منزلهم ـ وهو الأكثر تضرراً بالمنطقة من ناحية القرب من الأبراج الكهربائية- أشبه بفخٍ للموت.. وفي السياق ذاته قال: عندما تم بناء البرج، قمنا بالاحتجاج أكثر من مرة، عبر الصحف المحلية، في حينها جاء مدير البلدية ومدير الكهرباء في الفجيرة وقاموا بإقناع والدي أنهم سوف يقدمون له تعويضاً، وسيتم إعطاؤه منزلاً قبل تشغيل العمود.

ومع ذلك مضت الفترة، وتم تشغيل العمود، ولم تقدم له التعويضات ولم يحصل على منزل شعبي من ضمن المنازل التي قامت البلدية بتوزيعها على المواطنين، والأدهى والأمَر الشروع في بناء عمود آخر بالقرب من منزلنا وتبلغ قوته 400 ألف فولت، وما زاد الطين بلة، أنه يتم حالياً تمديد أنبوب غاز تنفذه شركة دولفين بالقرب من منزلنا، ولم يتم إشعارنا بذلك، أصبحنا محاصرين من كل مكان! وأضاف الشحي: تعاني أمي من صداع شديد ومتكرر وتقوم بزيارة المشفى بشكل يومي، والمشكلة أن الجهات المسؤولة تهدئ من روعنا قائلين «إن هذه تقنية لا تسبب الضرر»..!، ولكني على يقين تام بمدى الأضرار والأمراض الذي يسببها هذا التلوث الكهرومغناطيسي على المدى القريب والبعيد.

واستطرد قائلا: طالبنا المسؤولين أكثر من مرة بإزالة هذه الخطوط أو إعطاء والدي المنزل الذي وعد به، ولجأنا لوسائل الإعلام قاطبةً لاحتواء المشكلة، وسئمنا من الوعود الكاذبة التي باتت كالمُسكِن لشكوانا المستمرة، ومازلنا نناشد الجهات المسؤولة والمختصة بإيجاد حل لهذه المشكلة وعدم تهميش مطالبنا!

على طاولة البحث

و«البيان» وهي تلامس جزءاً بسيطاً من معاناة أسرة المواطن طارق راشد الشحي في منطقة قدفع، ولأهمية الموضوع وخطورته في الوقت ذاته ولاشتراك أكثر من جهة حكومية في القضية، انطلقنا لطرح القضية على طاولة الجهات المختصة والدوائر المطلعة، لتقصي الآراء والحقائق للوصول إلى الحلول المنشودة.

فتوجهنا بالتساؤلات للمهندس عبد الرحيم يوسف الحمادي، مدير عام الهيئة الاتحادية للكهرباء والماء بالوكالة الذي أوضح قائلاً أنه لا يتم تمديد أو إنشاء أي خدمات خاصة بالكهرباء قبل أخذ جميع الموافقات من البلدية والدفاع والاتصالات والغاز (NO) ويراعى في هذه الموافقات مسافات الأمان المسموح بها طبقاً للمعايير العالمية المتبعة في مثل هذه الحالات.

واستطرد قائلاً: أما فيما يخص استبدال الخطوط الهوائية بكابلات أرضية ونظراً لكون منطقة قدفع منطقة جبلية، وطبيعة الأرض صخرية فإنه يوصى باستخدام الخطوط الهوائية في تلك المناطق هذا ونود التنويه بأن الهيئة تقوم بالفعل باستخدام الكابلات الأرضية بالمناطق التي تكون مناسبة لذلك، هذا وتقوم الهيئة بتنفيذ الخطوط الهوائية طبقاً للمواصفات العالمية وتراعي استخدام معدات السلامة والأمان المطبقة في معظم مدن الدول المتقدمة «أوروبا أمريكا اليابان» حيث تستخدم هذه الدول الخطوط الهوائية داخل المدن.

وأشار الحمادي - بخصوص ما أخذ ينتشر عن الأضرار التي تحدثها هذه الأبراج- أنه لا توجد دراسة علمية على مستوى العالم موثقة تؤكد التأثير السلبي على صحة السكان من الموجات الإلكتروميغناطيسية جراء مرور الخطوط الهوائية داخل المدن فضلاً على أن الجهات الدولية التي تعتني بصحة المواطنين لم تؤكد ذلك أيضاً ونحن حريصون على عدم الإضرار بصحة المواطنين ولا نألو جهداً في مراعاة استخدام وسائل السلامة والأمان طبقاً للمعايير الدولية المتعارف عليها .

المسافة الآمنة

المهندس أحمد خليفة، مهندس كهرباء- نظم الطاقة، أكد للـ «البيان» أن خطوط الجهد العالي التي تبلغ 220 ألف فولت و400 ألف فولت، والمقامة في منطقة قدفع لا تراعي المسافة الآمنة التي تصل إلى 100 متر فما فوق، فكلما ابتعدنا عن تلك الخطوط كان المكان مناسباً للأنشطة البشرية.

وبالرغم من تضارب البيانات وعدم تأكيدها حول استبدال الأبراج الهوائية بأرضية، أضاف المهندس أحمد أن فكرة الكابلات الأرضية فكرة جيدة وآمنة في الوقت ذاته، وتعطي المدينة نظرة جمالية مقارنة بتلك الأبراج، إلا أن هذه الكابلات مكلفة جداً، هذا بالإضافة إلى أن تكلفة العزل باهظة مقارنةً بالأبراج الجوية.

وأضاف في سياق متصل: إن الخطوة الأولى الواجب اتباعها عند إنشاء خطوط الجهد العالية هو إنشاء مسار لتلك الخطوط بعيداً عن الأحياء السكنية، ولكن في تلك الحالات التي تستدعي إنشاء الخطوط بالقرب من الأحياء السكنية لاسيما في المناطق الجبلية، فإنه من الضروري إخلاء تلك المنازل بأي حال من الأحوال وإعطاء أصحابها تعويضات.

تحت المجهر

بنظرة طبية متخصصة وحديثة مواكبة للتطورات الطبية الجديدة، ولمعرفة مدى ما يمكن أن يحدثه الضغط العالي لهذه الأبراج صحياً وأثر إشعاعاتها الكهرومغناطيسية.

أكد الدكتور محمد سعد عبد اللطيف، أستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة القاهرة أن التلوث الكهرومغناطيسي الذي تسببه أبراج الضغط العالي يؤدي إلى تكسر حامض الـ {D N A» عند الأطفال، ويدمر خلايا الجسم وهو أحد المسببات الأساسية للسرطان بل أثبتت الكثير من معاهد الأبحاث المتخصصة أن العيش بالقرب من هذه الأبراج يسبب سرطان الدم.

كما أن الموجات الكهرومغناطيسية تؤثر على المواد البروتينية الموجودة في عدسة العين مما يسبب التهابات مزمنة، كما أن لها تأثيراً نفسياً وعقلياً أيضاً، كما تأكد العلماء أن لها تأثيراً أساسياً بالإصابة بأمراض القلب والتأثير على صحة الأجنة والتشوهات الجنينية.

وقد تسبب سرطان الثدي وتدمر البناء الكيميائي للجسم وتعطيل وظائف الخلايا وإفراز الأنزيمات بالجسم واضطراب الدماغ والخمول وعدم الرغبة في العمل والشرود والهذيان، بل واضطراب معدلات الكالسيوم بالجسم وهي ما يطلق عليها أمراض العصر أو الأمراض المدنية.

دراسات

أثبتت التجارب التي أجريت في الولايات المتحدة على مجموعة من الحيوانات موضوعة بالقرب من خطوط النقل الكهربية أن هذه الحيوانات تعاني من ولادة أجنة ميتة مع عدم نمو الصغار ونقص إدرار اللبن. كما تبين من إحدى التجارب التي أجريت في جامعة لويز بالولايات المتحدة الأمريكية أن شيئاً من التغير قد حدث في تركيب الدم لبعض الفئران التي تعرضت إلى مجال كهربائي قوته نحو خمسة عشر ألف فولت.

كذلك لوحظ أن إنتاج نحل العسل قد انخفض كثيراً عند تعرض النحل إلى مجال كهرومغناطيسي قوي. وأن مستوى الهرمونات يختل في الدجاج للسبب نفسه، كما أن الحمام الزاجل يفقد قدرته على معرفة الاتجاه في بعض الأحيان.

الفجيرة- منى الحمودي