الفنان المغربي، خالد البكاي،المقيم في إسبانيا، مفتون بمدينة أصيلة،حيث يأتي إليها في كل موسم، ليقيم مع نخبة من الفنانين في محترف الحفر، يرسم، ويحفر على الخشب، ويتجول بين جدرانها الملونة نهاراً.
ويناقش الفن مع زملائه الرسامين القادمين من أنحاء العالم ليلاً. وقد أقام، أخيرا، معرضين لأعماله الفنية في كل من قاعة محمد الفاسي في العاصمة المغربية الرباط، وفي قاعة «ديال أر» في العصمة الاسبانية مدريد، وذلك في فترة متقاربة، إذ أختار لهما عنوانا دالا وموحيا:
«استراحة»، معتمداً بالدرجة الأولى على اللصق على الخشب في أحجام فنية متنوعة بعضها معلق على الجدران والآخر متناثر في الزوايا والأركان، في شكل نوافذ تبدو في مجملها ذات نسق متناغم بألوان صارخة، حمراء وصفراء وسوداء وبيضاء، تنبض خلفيتها بأنماط من التعبيرات التي تستوحي من الموروث العربي الكتابي في جانبه الحروفي، إضافة إلى بعض اللمسات والفسيفساء والزخارف.
وتبعا لذلك فإن فضاء هذا المعرض، الذي تحضر فيه صور الفواكه والفناجين بمختلف أشكالها، مؤثت بمسحة من الهوية العربية المتمسكة بالجذور، على الرغم من عيشه في بيئة غير بيئته الأصلية. ولكن لوحاته لا تجد هذا التعارض بين العالمين.
الكولاج
تتميز أعمال البكاي بكونها أعمالاً تزيينية، لكنه يكتشف أسرار الألوان، ويدفع بها إلى أقصى مدياتها. ويستخدم تقنية الكولاج من أجل إيجاد ألوان جديدة عبر وضع أوراق الرسم بعضها على البعض الآخر.
ويقول عن هذه التقنية:لالايسمح لي الكولاج بمراكمة الأشكال. وعندما يقع الأحمر على الأحمر ينجبان لوناً أكثر حيوية من كليهما. تلك هي المعجزة السرية لأعمال ماتيس مثلاً.
تتمثل أبرز إبداعات البكاي في إعطاء الألوان التي يستخدمها ذلك الألق الذي طالما بحث عنه الرسام في ظل الشمس. وهذا ليس بغريب عليه وهو الرسام المبرز، الموسوم بأنه ثمرة تزاوج ثقافتين عربية وأسبانية، ويقول في هذا الصدد:
«الفن بحد ذاته بحث عن الذات، وتجريب لكل إمكانيات الحياة، لكنني لا أرى أي تعارض بين ثقافتين تكمل احداهما الأخرى، خاصة وأننا في المغرب نعيش هذه التعددية. لذا تجدني أبحث عن الإمكانيات التعبيرية في كلا الثقافتين وأجد بأنها غنية وذات جذور مشتركة».
ويضيف «الثقافتان قادرتان على خلق رؤى تشكيلة خاصة بهما. إنني أبحث عن الأشياء الصغيرة التي تصاحبنا كل يوم وأحاول التعبير عنها عبر لوحاتي التشكيلية. وعلى ما أعتقد أن هذا هو الفن وآليات التعبير عنه».
الفواكه والأباريق
إنه يرسم بالزيت والأكليريك وأوراق الذهب والفضة على الخشب والورق والقماشة في آن واحد. ولكن تصميم هذا الرسام متأت من كونه يصر على خلق فن إبداعي من خلال رسم الفواكه والأباريق وفناجين القهوة وأقداح الشاي، وهذه هي قدرة الفن الإبداعية. فليس المهم طرح الموضوعات الكبيرة والعظيمة، بل كيفية طرح هذه الموضوعات في الفن.
الفرح والبهجة
لا يؤمن الرسام البكاي بأن هناك موضوعات عظيمة وأخرى ليست كذلك. فهو يبحث عن الفرح والبهجة في الشرقيات التي يرسمها، وهي زخرفية بالضرورة، ولكنه يخرجها من إطارها التقليدي، ويمنحها رؤية جديدة.
والمعروف أن هذه الزخرفة أخذت مداها الفني الكبير في الفن الغربي أيضا. أما استخداماته للورق فهي نابعة من اعتمادها على فن الحفر، اختصاصه الأول، حيث أحياناً لا يستخدم فرشاة الرسم، بل يعتمد في صياغة أشكاله على الحفر من اجل إعطاء رؤية فنية عصرية.
ولوحاته تشبه الموزاييك، إلى حد ما، باستخدامه الألوان الرئيسية: الأحمر والأصفر والأزرق، مع اللون الأسود باعتباره لوناً تكميلياً.
أما الثمار التي يستخدمها في لوحاته فهي:التفاح، والطماطم، والكمثري، والباذنجان، إذ تأخذ ألوانها الحقيقة عندما تنضج، لذا تتغير ألوانها مع مراحل نضوجها. ولكن الرسام يعتبر أن الرسم باللون الأخضر ما زال يمثل أمامه طريقاً طويلاً وشاقاً في تعلم الرسم. إنه تواضع فنان يجد اللون أمامه بحراً متموجاً وصاخباً لا يمكن أن تمخر سفنه عبابه بسهولة.
الرباط - شاكر نوري
