أدركت الصحف أهمية التواصل مع الجماهير من خلال بريدها الذي يفتح قلبه لكل قارئ يريد عرض مشكلته، فتعددت الشكاوى العاطفية، وخصَّت الجرائد بعض كُتَّابها الكبار أحياناً للرد على هؤلاء العشَّاق وأصحاب الأزمات، فيتم يومياً أو أسبوعياً استعراض المشكلات بطريقة سردية جذابة قد تسهم في حل بعض مشكلات البعض.
لكن لها هدف آخر بالنسبة للصحيفة وهو رفع نسبة التوزيع، بعد أن وجدت الصحف أن عدداً كبيراً من القراء يعشقون قراءة هذا البريد، خاصة شريحة المراهقين لما فيها من إطلاع على تجارب الآخرين، ومعرفة رأي وحلول الكاتب أو المسؤول عن الباب، فهل قدَّم بريد الصحف دوره الاجتماعي للقارئ العاشق أو المأزوم؟
يُعد «بريد الجمعة»، «قلبي يسأل»، «أريد حلاً»، «سفير الحب»، «بريد الغرام»، «حلاّل المشكلات»، «بريد القلب»، «ركن المشكلات العاطفية»، و«قلوب جريحة» من أشهر الأبواب التي تتناول مشكلات القراء في الصحف المصرية، وإن كان أقدمها على الإطلاق باب المشكلات العاطفية «قلبي يسأل» الذي كان يحرره الكاتب الراحل مأمون الشناوي.
وبعد وفاته اقتبسته جريدة «المساء» المصرية وأصبح باباً يومياً تحرره الكاتبة الصحافية آمال عبدالوهاب حتى اليوم، كما وجدت جريدة «الأهرام» أنها في حاجة إلى مثل هذا الباب لعددها الأسبوعي الذي يصدر يوم الجمعة، فأطلقت عليه «بريد الجمعة»، وأوكلته إلى الصحافي الراحل محمد زايد الذي ظل على مدى 10 أعوام يردُّ على المشكلات الواردة إليه عبر البريد.
وبعدها تسلمه الصحافي الشهير عبدالوهاب مطاوع الذي تولى الرد على المشكلات العاطفية والاجتماعية التي تصل إلى الباب؛ حيث كان يتلقى شهرياً آلاف الرسائل منذ العام 1982، وظل مسؤولاً عن هذا الباب حتى رحيله العام 2004، ثم تولَّى تحريره من بعده الصحافي خيري رمضان، إلا أنه لم يحظ بالجماهيرية التي كان يحظى بها أيام عبدالوهاب مطاوع.
ردود منطقية
كان عبدالوهاب مطاوع يتمتع بأسلوب راقٍ في الرد على الرسائل التي يختارها للنشر من بين آلاف الرسائل التي تصله أسبوعياً؛ حيث كان أسلوبه أدبياً يجمع بين العقل والمنطق، ويسوق في سبيل ذلك الأمثال والحِكم والأقوال المأثورة، علاوة على تميزه برجاحة العقل وطريقة دافئة حتى لُقب ب«صاحب القلب الرحيم» لكونه لم يستسلم للمشكلات العاطفية فقط.
ولكن لجميع المشكلات سواء كانت عائلية، اجتماعية، صحية، أم مادية؛ حيث كان يتصدَّى لها شخصياً من خلال طاقم مكتبه، وكان أهم ما يميزه إفادة القارئ بجرعة متكاملة من الوصايا، وكأنه يخاطب شعباً بأكمله؛ لذلك اعتلى عرش بريد المشكلات العاطفية ولم يستطع أحد الوصول إلى مرتبة المنافسة معه.
لكن السؤال المطروح: هل نجحت هذه الأبواب في حل فعلي للمشكلات العاطفية أم أنها مجرد استهلاك لمساحات خالية في الصحف أو أبواب تسلية لقارئ كسول؟
قلوب حائرة
في البداية يؤكد الكاتب صفوت أبو طالب، محرر باب «قلوب حائرة» الأسبوعي الذي يصدر كل يوم جمعة بجريدة «الجمهورية»، أنه استطاع من خلال بابه الذي يناقش المشكلات العاطفية أن يقفز بتوزيع الجريدة لأكثر من النصف، فالحياة - على حد قوله - ليست ثقافة أو سياسة أو فن فقط، ولكن الجانب العاطفي يحتل مساحة كبيرة.
وبما أنه صحافي وأكاديمي بالجامعة وجد أن الصحافة تتعامل مع مضمون يوجه في النهاية إلى بشر، وهؤلاء البشر لهم مشكلات لا بد أن تُحل حتى تتحقق رسالة الصحافة؛ لذلك قرر أن يكمل مشوار مأمون الشناوي الذي رحل وأخذ معه مفاتيح العواطف، فاتجه جمهوره إلى مراسلة صحف أخرى أصبحت أكثر رواجاً وتوزيعاً، ففكر رئيس تحرير جريدة «الجمهورية» في إعادة الباب منذ 5 أعوام.
وبالفعل استطاع أن يحقق طفرة هائلة في التوزيع بعد أن أصرَّ أن يجعله يوم الجمعة التي تنافس فيه جريدة «الأهرام» الصحف المصرية كافة بعددها الأسبوعي الضخم، وبمرور الوقت أصبح الباب له مردود إيجابي، فجذب شرائح متنوعة من القراء من جميع الفئات والأعمار، وتوطدت علاقته بالمجتمع.
رسائل تشهير
وعن نوعيات الرسائل التي يتلقاها يومياً يقول: «تصلني يومياً أعداد هائلة من الرسائل ما بين عاطفية واجتماعية وعائلية، وليست جميعها صالحة للنشر، ومن خلال خبرتي في هذا المجال أدرك أن بعضها يكون للتشهير بشخصيات معينة.
والبعض الآخر يكون الغرض منه توصيل رسالة إلى الطرف الآخر، ويعتبر أن نشر رسالته عبر الباب هو مفتاح العلاقة؛ لذلك يتم استبعاد معظم الرسائل التي أشعر أنها غير واقعية، خاصة عندما يكتب المرسل «الرجاء عدم ذكر الاسم»، في حين يتم نشر الرسائل الحقيقية والواقعية التي تحمل قدراً من المصداقية».
ويشير أبو طالب إلى أن الباب لا يقتصر على البريد الورقي أو الالكتروني، لكن هناك مقابلات شخصية مع أفراد يطلبون المشورة فقط، وليسوا في حاجة إلى نشر رسائلهم، بينما هناك مجموعة أخرى تطلب ردوداً على صفحات الجرائد حتى يقرأ الطرف الآخر الرد.
يضيف: «هناك قصص أقوم بنشرها بناءً على اتصالات تليفونية من أصحابها، وذلك لما بيني والمتصل من ثقة كبيرة، إلا أن هناك بعض الرسائل تكون عبارة عن تهريج وإسفاف فقط، وهذه لا يُنظر إليها ويكون مصيرها سلة القمامة».
اختلاف نوعيات الرسائل
تحكي الكاتبة الصحافية المصرية حُسن شاه، تجربتها مع باب «أريد حلاً» بجريدة «الأخبار» فتقول: «يصلني عشرات الرسائل يومياً من مراهقين ومراهقات وسيدات وشباب وكبار، لكن أكثر الرسائل التي أتلقاها منذ العام 2005 من سيدات متزوجات حديثاً ومطلقات أعمارهن أقل من 30 عاماً، وأجد جميع الرسائل محمَّلة بآلام شديدة بسبب قسوة الحماوات، ورسائل أخرى بسبب اختلاف طبائع الأزواج وفشل العلاقات الجنسية.
والخوف من الفضيحة ومعرفة الأهل، وأجد أن جميعها لا تختلف في مرارتها، وفي هذه الحالة أقوم بلفت نظر الأزواج أو الزوجات بحُسن المعاشرة واتباع شرع الله، وأنصح الحماوات بأن يتخذن الزوج أو الزوجة ابناً وابنة، ويكون الطلاق آخر نصيحة أقدمها للأزواج».
أما الرسائل التي ترفض حُسن شاه نشرها فهي الرسائل التي من المؤكد أنها ستؤذي أصحابها؛ حيث وصلتها رسالة من فتاة على علاقة بخالها، وقد حملت منه وأنجبت أيضاً وأعطته الطفل لكي يقوم بتربيته مع أبنائه بعد أن ادَّعى أمام زوجته أنه عثر عليه أثناء عودته من عمله في وقت متأخر من الليل.
ويعيش معهم الابن حالياً، ووصل عامه العاشر، وتريد الفتاة خطف ابنها والإقامة به في أي مكان بعيد؛ لذلك لم تستطع الكاتبة استكمال قراءتها لما تحمله من كوارث أخلاقية وإنسانية تؤكد انحلال المجتمع.
وتشير إلى رسالة أخرى أشد شراسة أرسلتها سيدة متزوجة اكتشفت فجأة أن زوجها يعتدي جنسياً على ابنه، ولا تعرف هل تطلب الطلاق ويتشرَّد أبناؤها أم تظل على هذا الوضع الذي تشاهد فيه ابنها يُغتصب أمام عينيها؟ وتخشى إذا طلبت الطلاق أن يستحوذ الأب على الابن ويفعل به ما يشاء دون رقيب سوى ضميره الذي غاب عنه، وأكدت الكاتبة أنها عجزت عن الرد على هذه الرسالة.
هدف أساسي
ويعلِّق د. سامي عبدالعزيز، أستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة، بأن باب بريد القراء من الأبواب التي تبيع الجريدة، بمعنى أن الهدف الأساسي منه زيادة نسبة التوزيع، وليس القيام بدور المصلح الاجتماعي، لكن هناك أشياء تحدث بهدف ما وتتحقق معها أهداف أخرى، فلا شك أن كثيرين وجدوا حلولاً لأزماتهم من خلال بريد القراء أو من خلال التواصل مع جريدة أو محرر بعينه، فقد اكتسب كثير من الكُتَّاب المسؤولين عن هذه الأبواب في الجرائد الكبرى ثقة الجمهور.
وأصبحوا نجوماً لامعين في سماء الصحافة والمجتمع، وتحقق كتبهم المأخوذة عن أزمات القراء أعلى المبيعات في معارض الكتب، ولا شك أيضاً أن ردود بعض الكُتَّاب على رسائل القراء تحدد - في بعض الأحيان - مصير واتجاه القارئ وسلوكه في المشكلة وكيفية حلها استناداً إلى الثقة التي يتمتع بها المحرر المسؤول.
أضاف: «أعتقد بشكل عام أن هذه الأبواب تأتي من قبيل التسلية لكثير من القراء، فلو كان عدد الذين يراسلون الجرائد ألفاً على مستوى مصر أو حتى مليوناً، فإن عدد القراء بالملايين، وهؤلاء هم المقصودون بهذه الأبواب المسلية والتي تعرض القصص المثيرة التي يتمناها قارئ ينتظر طائرة أو أوتوبيساً أو قطاراً أو في صالونات الحلاقة، إذاً الغرض هو التوزيع، وهذا ما يفسر اهتمام الجرائد بالتنافس على التواصل مع القراء من خلال هذا البريد الذي ربما يتحكم في رواتب ومكافآت المحررين العاملين بهذه الجرائد».
القاهرة - دار الإعلام العربية
