يبدو أن فصلاً آخر، مألوفاً، قد بدأ الآن من قصة احتضان الصين لإفريقيا، التي بدأت وقائعها قبل 600 عام. فمن المقرر أن يصل إلى كينيا قريباً فريق مؤلف من 11 عالماً أثرياً للبحث عن حطام سفينة صينية قديمة وأدلة أخرى تدل على طبيعة تجارة الصين مع القارة السمراء، التي يعود تاريخها إلى مطلع القرن الخامس عشر.
يأتي ذلك ضمن مشروع مدته 3 سنوات، خصص له مبلغ مليوني جنيه إسترليني، سيتركز على بلدتي لامو وماليندي السياحيتين، ويتوقع أن يلقي الضوء على جانب غير معروف على نطاق واسع يتعلق بالتاريخ المشترك بين كينيا والصين.ويعتقد أن السفينة الغارقة كانت جزءاً من أسطول حربي قاده «زينغ هي»، وهو أدميرال ينتمي إلى سلالة مينغ المالكة الصينية، الذي وصل إلى ماليندي عام 1418.
وبحسب المعرفة الكينية، التي دعمتها فحوصات الحمض النووي الوراثي (دي إن إيه)، فإن بعض الناجين من الغرق استطاعوا السباحة والوصول إلى الشواطئ الكينية.وبعد أن قتلوا أفعى ضخمة من نوع بايثون كانت تروع أهالي القرية، سمح لهم بالبقاء والزواج من نساء محليات، مولدين مجتمعاً أفروصينياً، لا تزال سلالته تقطن تلك المنطقة.
وقد تم التعرف على موقع محتمل لحطام السفينة الغارقة بالقرب من لامو، وسيعمل علماء المتاحف القومية الكينية في المشروع الأثري، جنباً إلى جنب مع نظرائهم الصينيين، علاوة على باحثين من جامعة بكين.يقول ايدل فرح مدير المتاحف الصينية، في هذا الصدد: «لطالما تم توثيق رحلات العرب والبرتغاليين إلى السواحل الكينية، والآن ومن خلال فحص حطام السفينة، نأمل أن نوضح بأدلة جلية أول اتصال تم بين الصين وشرق إفريقيا».
ويشكل هذا المشروع جزءاً من الجهود الصينية للاحتفال بإنجازات «زينغ هي»، وهو قائد صيني مسلم استطاعت سفنه الإبحار عبر المحيطين الهندي والهادي قبل عقود من استكشافهما على يد مستكشفين أكثر شهرة أمثال كريستوفر كولمبوس وفاسكو داغاما.
وبدءاً من عام 1405 قام «زينغ هي» بـ 7 رحلات بحرية عبر جنوب شرق آسيا، الهند، الشرق الأوسط وإفريقيا، وذلك بواسطة أساطيل من السفن الضخمة، التي وصل تعدادها إلى 300 سفينة، وكان على متنها ما يربو على 30 ألف بحار، وذلك بحسب السجلات الصينية.
وخلال رحلاته كان «زينغ هي» يوزع الهدايا المقدمة من إمبراطور الصين، والتي تشمل الذهب، الخزف الصيني، والحرير. وفي مقابل ذلك جلب إلى الصين العاج ونبات المر وحمير الوحش والجمال. لكن الزرافة هي التي أثارت أكبر الضجيج. وكان هذا الحيوان هدية من سلطان ماليندي، الذي كانت سلطنته تقع على الساحل الشمالي لكينيا، وقد تباينت النظريات في كيفية نقل الزرافة من هناك إلى الصين.
وتفترض إحدى النظريات أن الحيوان كان مقدماً من حاكم البنغال الذي تلقاه بدوره من السلطان. وقد ألهم ذلك «زهينغ هي» لزيارة كينيا في وقت لاحق.ويقول رئيس الآثار الساحلية الكينية ان فريق علماء الآثار المشترك سيحاول قريباً تحديد القرية الأصلية للسلطان، والتي يعتقد أنها قريبة من قرية ميمبروي في ضواحي ماليندي. وفي أواخر أغسطس سينتقل المشروع إلى قاع البحر مع وصول فريق علماء آثار متخصص من الصين.
وعلى الرغم من عدم تمكن العلماء من تحديد موقع حطام السفينة بعد، إلا أن لديهم دلائل جيدة على المكان الذي غرقت فيه.ويبدي الفريق ثقة في العثور على السفينة الغارقة بدعم من الاختبارات الوراثية التي أجريت على إحدى العائلات السواحلية في قرية سييو، التي يبدو تاريخها وسمات الوجه شبيهة بتلك الموجودة في الصين مما دفعهم للاعتقاد أنها من سلالة بحارة سفينة «زينغ هي» الغارقة.
عمر حرزالله
