عملية البحث في الانترنت عن بعض البيانات تشبه طابور الخبز السوفييتي السابق، حيث كان يتم توزيع الخبز مجاناً للشعب السوفييتي، لكن كان عليهم الوقوف في طابور طويل بانتظار دورهم، وبالتالي كانوا يدفعون ثمن الخبز من وقتهم وأعصابهم، وهذا ما يعتبره الاقتصاديون الثمن الذي تفرضه لغة السوق في كل مكان وزمان في هذا العالم، فعلى المستهلك دوماً أن يدفع شيئاً ما، ولا يمكن أن يحصل على شيء بالمجان، وهذا ما يمكن أن نلمسه على الإنترنت، فالمستخدم يدفع الثمن من وقته، إذا اعتبرنا أن تكاليف الانترنت زهيدة، أو مجانية في بعض الدول.
مثال على ذلك ما يقوم به كثير من الأميركيين، لتوفير 110 دولارات أميركية في الشهر ثمن الاشتراك في خدمات محطات التلفزيون الخاص المسماة «الكيبل التلفزيوني»، إذ أنهم، حتى لا يضطروا لدفع 60 ,3 دولارات في اليوم، يقضون ربع إلى نصف ساعة وهم يبحثون في المواقع الإلكترونية التي تبث القنوات المرغوبة لديهم، فهل الأمر يستحق كل هذا العناء.
وكيف لنا أن نعرف بالضبط قيمة وقت الفراغ التي ننعم بها من الناحية المالية؟ أي هل يوجد هناك خبير اقتصادي قادر على تحديد قيمة النصف ساعة التي يمكن للفرد أن يقضيها في البحث عن قناة تلفزيونية تُبث بالمجان عبر الانترنت؟
صحيح أن الأميركيين لا يقضون معظم وقتهم على الإنترنت في البحث عن القنوات التلفزيونية، لكنهم يفعلون ذلك في بحثهم عن الأخبار المختلفة على الانترنت، وهذا يظهر جلياً في تقلص مقروئية الصحف الورقية في الولايات المتحدة الأميركية، وتقلص نسبة المشاهدة التلفزيونية المدفوعة.
يميل معظم الأميركيين للبحث في الإنترنت أكثر من أن يدفعوا ثمن خدمة ما، فهم على استعداد لأن يقضوا الساعات الطوال وهم يبحثون عن صور لأظافر ليندزي لوهان المنمقة، على أن يشتركوا في موقع يؤمن لهم الصور التي يريدونها بسرعة، وهذا يعني تبديد العديد من الساعات أسبوعياً لتوفير المال. لهذا بدأ كثير من الخبراء في الولايات المتحدة بالتساؤل: هل الأمر يستحق كل هذا العناء؟
تنبه الناس، ليس في أميركا فقط، بل في جميع أنحاء العالم، لفكرة أن الوقت له ثمن، وبدأوا يعيدون حساباتهم من جديد، وشرعوا في دفع ثمن خدمات الأخبار والفيديو والأغاني.
وهناك الآن نسبة من المستخدمين في أرجاء العالم، يدفعون الآن أقل من دولار واحد للحصول على أغاني من موقع «آيتيونز» أو «أمازون»، بدلاً من أن يهدروا ساعات من عمرهم في البحث في مواقع القرصنة. لكن المستخدمين قد يغيرون رأيهم مجددا برغم كل هذا الكلام، لأن لدى غوغل دوماً رأي آخر.
فقبل 12 عاماً من الآن كان الفرد ينتظر وقتاً طويلاً للحصول على نتيجة بحث واحدة، بينما الأمر الآن لا يزيد على ثوان معدودة. ويعكف المهندسون في غوغل حالياً على تقليص تلك المدة عن طريق تنقية قنوات البحث بشكل أكبر. وحققوا مستويات غير مسبوقة في المجال، إذ نجحوا، أخيراً، في أن يوفروا على المستثمرين مليار ثانية يومياً، وهذا يضاهي في الحسابات الرقمية 1800 ضعف عمر إنسان عادي.
وشركة «غوغل» مغرمة باختصار الوقت وتوفيره، حتى أن بعض موظفيها يلبسون قمصاناً مكتوب عليها «لا توجد مسافة فاصلة بيني وبين الإنترنت». وهذا شعار لنظام تشغيلي جديد ستطلقه الشركة يمكّن المستخدمين من تشغيل أجهزتهم في أقل من سبع ثوان».
كما تحاول غوغل تسهيل عملية البحث على المستخدمين بوضعها اقتراحات للكلمات المقصودة، كما أنها تقدم أرقام تليفونات لخدمات الطوارئ بمجرد أن يبدأ الفرد بطباعة أول حروف تلك الخدمات، وهكذا.
يوسف جباعته
