يعكف العلماء على تطوير أجهزة كمبيوتر مبتكرة وجديدة من نوعها، عن طريق تقليد الطريقة التي يتم بها بناء خلايانا العصبية وطريقة تحادثها، بعضها مع بعض، في خطوة مهمة يؤمل أن تحدث ثورة في قدرات المعالجة الصوتية والمرئية في أجهزة الكمبيوتر الحديثة. وربما يتمخض عنها في المحصلة تمكن الكمبيوترات من الرؤية والسمع فعلياً في المستقبل بدلاً من الاعتماد فقط على المجسات.

وإلى جانب تحسين قدرات أجهزة الكمبيوتر، يأمل الباحثون أيضاً في تحسين فهمنا لطبيعة الخلايا العصبية وكيفية عملها.

وبخلاف الشبكات العصبية الاصطناعية الحالية، التي لا تحاكي الخلايا العصبية الطبيعية بدرجة كبيرة، فإن المشروع الأخير، الذي ينسق له عالم الكمبيوتر دكتور توماس وينيكيرز من جامعة بلامواث الإنجليزية، يهدف إلى محاكاة خصائص فيزيولوجية محددة للطريقة التي تتخاطب فيها الخلايا العصبية في أحد أجزاء الدماغ البشري.

يقول وينيكرز: «نريد التعلم من الكائنات الحية بناء أجهزة كمبيوتر المستقبل. وبالتأكيد فإن الدماغ أكثر تعقيداً بكثير من كل الشبكات العصبية الاصطناعية التي طورت إلى الآن.»

وقد ركز المشروع في مراحله الأولى على جمع البيانات حول الخلايا العصبية وكيفية توصيلها ببعضها في جزء محدد من الدماغ يعرف بالقشرة المخية الحديثة، ويتدخل في الوظائف الدماغية العليا مثل الرؤيا والسمع.

ولقد خلص الباحثون من حصيلة البيانات المجموعة إلى وضع تمثيلات حاسوبية تفصيلية لتشكيلات الخلايا العصبية والتوصيلات الدقيقة التي تنتشر سطحياً في أنحاء قطاعات كبيرة في الدماغ كالقشرة البصرية. ويقوم الباحثون الآن بتسخير تلك النماذج الحاسوبية لاستنباط المظاهر الأكثر أهمية بالنسبة لخصائص وظيفية معينة، يحتاجها الكمبيوتر، كالتعرف على الأشياء والكلمات.

ويقول دكتور وينيكرز إن هناك آمالاً كبيرة في الأوساط العلمية المهتمة بأن يسهم هذا المشروع ليس فقط في إنتاج شبكات استشعار أكثر تطوراً، بل أيضاً في تطوير مكونات أكثر ذكاء تزيد من القدرات الإدراكية للكمبيوتر، كاسترجاع الذاكرة، وصنع القرار، وربما تجعل من الكمبيوتر كائناً عاطفياً قادراً على الإحساس.

وبينما يعمل دكتور وينيكرز وفريقه على التمثيلات الحاسوبية البرمجية، يستلهم البروفيسور ستيف فوربر أفكاره من وحي الخلايا العصبية لإنتاج مكونات حاسوبية ملموسة تدخل في صنع كمبيوترات المستقبل، حيث يحاول فوربر في مشروعه الذي يدعى «سبيناكر» بناء كمبيوتر مصمم خصيصاً ليعمل بطريقة تشبه طريقة عمل الدماغ البيولوجي.

يستخدم نظام «سبيناكر» معالجات حاسوبية من نوع «آرم»، كل منها يشغل حوالي 1000 رقاقة مصغرة تمثل الخلية العصبية، ليحاكي بذلك تأثير توظيف أعداد كبيرة من الخلايا العصبية في نفس اللحظة، كما يحدث في الدماغ البشري. ويستخدم النظام الحالي ثمانية معالجات، لكن فريق فوربر يعمل الآن في المراحل النهائية لتصميم نظام يعمل على 18 معالجاً.

ويقول فوربر إن الهدف النهائي من هذا النظام هو بناء سوبركمبيوتر يتحكم بمليار «خلية عصبية» من خلال مليون معالج، مشيراً إلى أن من شأن ذلك أن يفتح آفاقا جديدة لفهم آلية عمل الخلايا العصبية في العقل البيولوجي، إضافة إلى إسهامه في تحسين قدرات كمبيوترات، خاصة في ظل الإجماع على أن صناعة الكمبيوتر ليس لها مستقبل مضمون سوى في تطوير كفاءة أسلوب ربط المعالجات على التوازي، أي نفس الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات بواسطة خلاياه العصبية.