تهدد حوالي 700 مليون لتر من النفط، ومعها حوالي 7 ملايين لتر من المواد الكيميائية المشتتة، مجتمعة، بعض أهم البيئات البحرية والساحلية في الولايات المتحدة. وعندما توقف التسرب من بئر «ديبووتر هورايزون» في خليج المكسيك - حتى الآن على الأقل- كانت تلك لحظة ملائمة لإلقاء نظرة على هول المشهد البيئي هناك.

وحتى قبل أن ينهي المهندسون مهمتهم، بدأ جيش من علماء البيئة وخبراء التلوث في التأهب للانطلاق في حملة شاقة لتوثيق الأضرار وجدولة عملية التعافي. ويقول جوزيف توريس، عالم الأحياء البحرية في جامعة ساوث فلوريدا الأميركية ان «الوضع يبدو أشبه بحالة استنفار عام».

فقد أصبح خليج المكسيك عملياً عبارة عن مختبر إيكولوجي عملاق. لا بل أنه ربما يكون «أكبر تجربة علمية في التاريخ» كما يقول كيم ويذرز، عالم الإيكولوجيا الساحلية في جامعة تكساس، لكن لسوء الحظ فإنها تجربة حرة خارجة عن نطاق السيطرة.

وتأتي الأهوار الساحلية الهشة بالمنطقة على رأس قائمة أولويات خبراء البيئة. وبينما راح النفط يقترب من تلك الأهوار، قام فريق علمي بقيادة يوجين تورنر من جامعة ولاية لويزيانا بزيارة 32 موقعاً في شرق وغرب مصب المسيسبي، حيث أخذوا عينات من نباتات الأهوار المالحة ورواسبها. وسيعودون إلى الموقع نفسه في سبتمبر لمعاينة الأضرار، الناجمة عن وصول التسرب النفطي إليه، على أرض الواقع.

وقد نشرت مجلة نيو ساينتست العلمية، أخيرا، تقريراً مفصلاً أدرجت فيه بعض المشاريع الأخرى التي ستوثق التركة البيئية لأكبر حادثة تسرب نفطي بحري في التاريخ الأميركي. ومن بين تلك المشاريع العملية:

الميكروبات الملتهمة للنفط

لعبت الميكروبات الملتهمة للنفط في الآونة الأخيرة دوراً بيئياً فائق الأهمية، حيث انهمكت في الأشهر القليلة الماضية في التهام وهضم النفط والغاز والهيدروكربونات الأخرى الناتجة عن التسرب. وبالتعرف على الميكروبات التي كانت موجودة قبل التسرب، والأنواع الموجودة هناك الآن، حصل الخبراء على معلومات هامة حول كيفية استجابة هذه الأنظمة الإيكولوجية للتسرب النفطي.

وقد لاحظ جاي جرايمز من جامعة ساوذرن ميسيسبي ازدياداً في معدلات بكتيريا الماء البارد. وهو يقول إن القياسات المأخوذة من عينات النفط المتسربة إلى أعماق البحر تظهر أن هذه الأصناف من البكتريا هي التي تقوم بالتهام واستهلاك النفط. وتتمثل الخطوة التالية في معرفة مدى السرعة التي تتم بها هذه العملية لتقدير الوقت الذي ستستغرقه تلك الكائنات لتنظف أعماق البحر من النفط.

حزام الموت

المعروف ان النفط يشكل خطرا على سلامة الكائنات الحية، لكن ما قد لا يعرفه الكثيرون هو أن انجراف المواد المغذية بشكل مفرط من الأراضي الزراعية يشكل أيضاً عامل خطر كبيرا على الكائنات البحرية. وعندما يجتمع العاملان معاً تصبح المنطقة أشبه بحزام موت رهيب.

وحتى قبل التسرب النفطي، كان من المتوقع ان تكون منطقة الموت في خليج المكسيك هذا الصيف خامس أكبر منطقة من نوعها منذ بدء الدراسات المنهجية في المنطقة في 1985. وتتشكل هذه المنطقة كل صيف في مياه الخليج قرابة السواحل عندما تؤدي المواد المغذية الزراعية إلى تخصيب مستعمرات ضخمة من الطحالب. وعندما تموت الطحالب وتغوص إلى القاع لتتعفن هناك، تقوم بشفط الأكسجين من المياه المحيطة متسببة بهلاك كثير من الكائنات البحرية التي تمر في المنطقة.

ولمعرفة ما إذا كان النفط قد فاقم الأمور أكثر في تلك المنطقة بالتحديد، سيقوم مايكل رومان من مختبر هورن بوينت بجامعة ماريلاند بجولة في مياه خليج المكسيك في سبتمبر المقبل، جاراً وراءه جهازاً يدعى «سكان فيش»، يختص بقياس درجات الحرارة ومستويات الأكسجين والمواد العضوية والعوالق المائية في منطقة الموت، التي تعاني أصلاً من نقص في الأكسجين.

التحولات الجينية

من الواضح أن التسرب النفطي قد اجتاح مختلف أنحاء خليج المكسيك، لكن إلى أي مدى يمكن أن تصل تأثيراته القاتلة؟ الإجابة على هذا السؤال ربما تكون مكتوبة في جينات المخلوقات البحرية.

فعندما تتعرض تلك الكائنات إلى النفط، يتم تفعيل جينة تدعى «سي واي بي 1 إيه»، تساهم في تفكيك الهيدركربونات السمية. ولذلك يقوم الباحث جو جريفيث من جامعة ميسيسبي، أيضاً، بمراقبة هذه التحولات الجينية لاستخدامها كمؤشر دقيق على مدى انتشار تأثير التسرب النفطي.