ما يستوقف الزائر خلال جولته في الدورة الثالثة للمعرض السنوي (صنع في تشكيل)، المقام حاليا، في مركز (تشكيل) للإبداع الفني بند الشبا في دبي، هو المستوى الفني المتقدم للأعمال المعروضة التي شارك بها أعضاء المركز، من فنانين إماراتيين ومقيمين. وما يميز هذا المعرض الذي يستمر حتى 16 سبتمبر المقبل، جمعه بين مختلف حقول الفن التشكيلي والبصري والتطبيقي تحت سقف واحد.

وفي بداية الجولة يطالع الزائر، منحوتة سيريالية تحمل تراث شرق آسيا، وفلسفة الفنان ديبجاني بهاروداد، بجانب رؤيته لتفاعلات الإنسان الداخلية حيث ربط بين وجه مهرج من خلال كتفيه اللذين شكلا سفينة تمخر عباب البحر، ولتبرز هواجسه المتناقضة على طرفي الكتفين من خلال كائنيه الصغيرين، وليعبر عن سخاء المشاعر عبر شعبة مرجان من قلبه كشجرة، والأفكار التي تنهش العقل عبر إطلالة الفأر الساكن في رأسه.

فنون الحفر والطباعة

شارك بهاروداد أيضا، في حقل الحفر والطباعة بـ 8 لوحات، استخدم فيها تقنية اللينوليوم وبالأبيض والأسود، وتحمل مواضيعها مخيلة جامحة مستوحاة من قصص الأطفال، ك«ليلى والذئب»، وغيرها من القصص التراثية، وإن كان مضمونها يحمل بعداً إنسانياً.

وكذلك شاركت في الحقل نفسه، الفنانة نيفيدتا ساها بـ 5 أعمال باستخدام تقنية الكولوغراف، وعبرت فيها عن عوالم إنسانية، إضافة إلى الفنانة أريج قاعود، التي قدمت عملين انجزتهما عبر تقنية الطباعة على الحرير.

ومن أبرز الأعمال في إطار الوسائط الفنية المختلطة، لوحة الفنانة لين ريمر، التي رسمت بتقنية الرصاص صورة إنسانة بالحجم الطبيعي، على ورق الميلار الذي يتمتع بحساسية عالية، إلى جانب الشفافية والمتانة، وقد نجحت ريمر في التقاط روح الشخصية من خلال تعابير الوجه.

بالألوان

ضمت اللوحات الزيتية عدداً من الأعمال التي تستوقف الزائر بجمالياتها وعمق ألوانها والإتقان الأكاديمي في الرسم، وفي مقدمها لوحة الفنان رينالدو تمبونج: (قناع)، التي تحمل الكثير من الرموز والدلالات في التكوين الأقرب إلى عمق السراديب وغموضها، مستخدماً ألواناً ترابية دافئة تبعث الإحساس بالراحة في قلب المشاهد.

وكذلك عمل الفنان صفوان أصلان، الذي صور ازدواجية الرجل والمرأة عبر بورتريهات في إطار صفين من المربعات التي تبرز إحداها الوجه الخارجي بمفرده، والأخرى الخارجي والداخلي، ليتم تداخل المربعات بين الطرفين.

كما حملت لوحتي جوليا عبيني، جماليات الزخرفة الشرقية بألوان حيوية، مستخدمة فيها عدة تقنيات، بينما تميزت لوحة للفنانة فاطمة محيي الدين، في إطار الفن التجريدي، بجماليات التكوين وتناغم إيقاع اللونين الأسود والأخضر.

التصوير

شغل جناح التصوير الفوتوغرافي حيزا كبيراً من المعرض، حيث برز فيه تألق العدد الأكبر من المواهب الإماراتية الشابة التي تميز البعض منها في ساحة الفن المحلي والخارجي، وعلى رأسهم الفنانة هند بن دميثان التي شاركت بعملها (اجعلني أتحرك).

حيث ركزت في صورتها على ديناميكية الحركة من خلال معالجتها الرقمية حيث أبرزت عبر حركة الراقصة المكررة، التي تغيب ملامحها لصالح إيقاع سريع متردد الأصداء عبر خطوط فوسفورية مضيئة، تشكل ما يشبه الثوب الفولكلوري في ليل بنفسجي داكن.

وأما نور الخاجة، فتناولت في عمليها فكرة العروبة وتاريخها، مستخدمة عدة تقنيات، لتعكس التاريخ العربي الحديث، ومضامين ما شهده ويشهده العالم العربي راهنا في هذا الشأن.

وشارك سعيد خليفة بصورة (الذئب) التي تصدم المشاهد بقوة فكرتها وقسوة دلالاتها ورمزيتها، إذ تهيمن عين لإنسان على أغلب مساحة اللوحة، بتفاصيلها المتناهية في الدقة حتى الشعيرات الدموية في بياض العين، حيث يتدلى الجفن السفلي تحث ثقل إبرة المشبك المعدني الذي اخترقه.

كما شارك كل من حمدان بن بطي بصورة سريالية لعوالم الواقع التي عالجها بتقنيات جعلتها أقرب إلى اللوحة الفنية وكذا الفنانة هدية بدري، والتي أخذت لقطات لأسواق دبي القديمة. وتميزت ميثاء بنت خالد بدقة وجمالية عكسها للقطتها تكوين الأسماك المعلقة على حبل الغسيل.

ويضم المعرض أيضا، عملا تركيبيا لـ ميثاء بن دميثان، التي استطاعت تعزيز اسمها في ساحة الفن خلال زمن قصير، وهو يتمثل في الرسم على أربعة أوان زجاجية مستطيلة، ويتجلى من الزخارف والخطوط المرسومة باللون الأبيض على جدران تلك الأواني، جماليات وشفافية عوالم المرأة.

ثمرة

يعكس هذا المعرض في المحصلة، ثمرة نتاج مركز (تشكيل) الذي يمثل بيئة فنية جمعت بين محبي الفن، من محترفين وأساتذة وطلبة وهواة، ليشكل هذا التجمع في حد ذاته، ظاهرة فنية لها حضورها ودورها في دفع حركة الفن التشكيلي في الإمارات، لبلوغ مستويات ريادية مستديمة في هذا المجال.

«تشكيل» في سطور

بادرت الشيخة لطيفة بنت مكتوم في أول عام 2008، إلى تأسيس مقر مستقل للفنانين والمصممين المقيمين في الدولة، وهو مركز تشكيل، الذي تتم المشاركة فيه من خلال الانتساب إليه بمنوال عضوية رسمية. ويعنى المركز بالاساس، بالالتزام بتلبية إمكانات واحتياجات الفنانين.

دبي - رشا المالح