يا والدي إن اللسان ليعجز

عن ذكر فضلكم وكم يتحفز

مني الفؤاد إذا تقدم ذكركم

فتمثل الخير الذي لا يحجر

كلمات يطول شرحها لما تحويه من صور ومعان لرجل اشتهر بالفصاحة وسعة الاطلاع مذ كان في ربيع الطفولة، حيث لم يحرمه فقد الأب من متابعة حياته في ظل والدة متسلحة بالايمان وحفظ القرآن، وحفظ الشعر وقرأ المعلقات.

سافر إلى الكويت صغيرا في سبيل التعلم ونجح بما أراد، ليعود إلى بلده الأم الإمارات متعلما ومعلما ويحمل شهادة لم تكن متوفرة لأي أحد في ذلك الزمان، وعندما هيأت له فرص العمل ما بين التربية والسلك الدبلوماسي والقوات المسلحة اختار الثالثة ليسطر من خلال عمله بها أروع الإنجازات التي لاتزال تحسب له، إنه ضيفنا سعيد عبدالله ناصر الجنيبي يحدثنا أنا من مواليد 1950 وعندما كان عمري عاما توفي والدي ورعتني والدتي رعاية جيدة قوامها الأدب والاحترام، ومنذ كنت صغيرا أتكلم جيدا أو بالأحرى كنت فصيحاً.

وجدت الحافز من الأسرة ووالدتي تحفظ القرآن وتحفظني إياه، قرأت الشعر وكتب التاريخ والمعلقات، لم تكن المدارس متوفرة إلا في منطقة الشارقة ودبي وهي بعيدة لذلك كان تعليمنا على أيدي المطاوعة في الكتاتيب.

اقترح عمي أن أذهب معه إلى الكويت وكان عمري 10 سنوات، وفعلاً ذهبت معه ودخلت مدرسة وتعلمت وأنهيت الابتدائي والإعدادي ودخلت معهد إعداد معلمين، ولأني متفوق عينت مدرسا وكان عندي 27 طالبا وأخذت أعلمهم وجدت بعد يومين أن طالبين فقط فهما الدرس، و25 لم يعوا شيئاً.

ألت الطالبين كيف فهمتما، قالا الأهل يعلموننا في البيت بعدها كان عندنا مدرس فلسطيني اسمه موسى وكان ذا باع طويلة في التدريس، فقلت له يا أستاذ أريد أن تدرس عندي حصة لأتعلم منك، وجاء وجلست أنا مع الطلاب وقلت لهم الأستاذ موسى سيدرسنا وأنا طالب مثلكم، وفعلاً استفدت منه وعرفت كيف يتم التدريس.

فرصة العمل في الجيش

وكان في ذلك الوقت لا يوجد اتحاد للإمارات ولا مجلس للتعاون الخليجي ولكن دول الخليج كان يربط بين أهلها رابط اجتماعي وثقافي لذلك كنا قريبين. وعندما تسلم المغفور له الشيخ زايد الحكم طلب كل المغتربين للعودة إلى البلاد والاستفادة من خبراتهم.

كوني احمل شهادة فقد طلبتني وزارة الخارجية للعمل في السلك الدبلوماسي وطلبتني المعارف للتدريس، ولكن أخي الأصغر مني سنا كان في الجيش مرشحا قال لي تعال إلى الجيش فوافقت وعينت برتبة ملازم وعلموني العمل العسكري وكيفية التعامل مع من أعلى منك رتبة، بالإضافة إلى السلوك العسكري القائم على الضبط والربط.

عينت مدير الثقافة العسكرية، وبدأت أكرس جهدي للتقدم في العمل، وتسلمت إدارة مدرسة أبي عبيدة العسكرية وتطورت المدرسة وكانت نظرة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في ذلك الوقت إنشاء جيل عسكري متمرس ملم بالعلوم العسكرية، وعندما سمع المغفور له الشيخ زايد بذلك أيد الموضوع وحضر حفل التخرج، بعدها تم إنشاء مدرسة عسكرية في العين وأخرى في الشارقة وثالثة في دبي في المنطقة الوسطى.

جميع الطلبة الذين قمت بتدريسهم وصلوا لمناصب عالية، سواء في السلك العسكري أو الدبلوماسي والطفرة التي حصلت في المدارس العسكرية جاءت بفضل سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، ولكن بتسلم سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للقوات الجوية وتسلمه قيادتها.

من ثم أركان الجيش اهتم كثيرا بالمدارس العسكرية، فهو دائم السؤال عن المدارس والطلبة وكيف أنه يريد أن يصنع جيلاً ملماً بالعلوم العسكرية، ويفتح المجال للطالب العسكري عند تخرجه، بحيث يذهب لكلية زايد العسكرية وأول دفعة دخلها طلاب المدارس العسكرية هم من تلاميذي، فيما بعد أمر سموه بابتعاثهم للخارج لأننا كنا نطبق في المدارس نظام التربية والتعليم مع تكثيف للغة الإنجليزية عليهم.

تعليم الكبار

واقترحنا أن يكون في الجيش تعليم للكبار، وكان من أنجح البرامج التي عملناها في القوات المسلحة وعندنا 32 مركزاً لتعليم الكبار في كل وحدات الجيش وقبل خروجي من الجيش استطعنا أن نمحي أمية عشرين وحدة في الجيش.

احتفالات التخرج

كنا في منطقة الوجن ولا توجد تليفونات اتصل بنا المسؤول باللاسلكي ونحن نبعد عن العين 120 كيلومتراً ونحن في مدرسة خيام طلب منا إقامة حفلة لأن المغفور له الشيخ زايد سيحضره فرغم ضيق الوقت، إلا أن الجيش سخر لنا الباصات والمعدات وكنت أعمل في كل مدرسة برنامجا احتفاليا معينا للطوارئ، وفعلاً كان المغفور له الشيخ زايد بأشد حالاته فرحاً وعملنا حفلاً فنياً ومسرحية وكانت كلمة الترحيب أبياتا من الشعر النبطي لأن سموه يحب هذا الشعر، فقلت:

يا مرحبا بالليث نور البلادي

عير الثقافة يوم هل أهلاله

ويا مرحباً بزايد كريم الأيادي

من مثل زايد في الكرم والأصالة

فالمغفور له كان يحب أي شيء مرتبط بالعلم والثقافة وأبناء البلد جزء من هذه المنظومة العلمية التي أرادها لهم وكان أبا الرجولة ومصنعها، فأي ولد يقف أمام سموه ويتحدث معه كان يقربه له، لأنه يعتبره رجلاً ويقول الإنسان الذي يستطيع أن يدافع عن نفسه بالكلام يستطيع أن يدافع عن نفسه في ميدان المعركة.

المشاركة في اللجان

وأنا في القوات المسلحة كنت أشارك في الكثير من اللجان والاجتماعات التي كانت على مستوى القوات المسلحة، ومن ضمنها كنت أمين السر اللجنة الرياضية العليا والتي كانت على مستوى فرق، وكانت الثقافة العسكرية في كل سنة تأخذ الكأس ونأخذ المركز الأول وكان عندنا لاعبون وأصبحوا فيما بعد لاعبي المنتخب منهم: سعيد صلبوخ، حسن كان في نادي الشباب، حسن بولو، سالم من نادي الوحدة.

22 عاماً خدمة

وصلت لمرتبة عقيد وبقيت 22 عاماً في الجيش وعملت بعدها مشروعي الخاص مدارس النهضة الوطنية، وعوداً على بدء عندما عدت من الكويت وأنا معي شهادة دار معلمين حاولت أن أطور نفسي وأكمل دراستي الجامعية، طلبت من المسؤولين فوافقوا وذهبت لمصر وأكملت في كلية التربية جامعة الأزهر وتخرجت بامتياز وكنت أول ضابط في القوات المسلحة حصل على شهادة جامعية في ذلك الوقت.

محمد بن راشد قدوة

كنت أتابع سيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وكان سموه دائماً يطمح أن يكون الأول، إذا ذهب للسباق يكون هو الأول، لذلك أنا أعتبر هذا الرجل الرمز قدوتي وقدوة لكل باحث عن النجاح، حيث حدد سموه طريق النجاح في كتابه «رؤيتي». حاولت عمل مدرسة وأنا أول مسؤول ومربّ مواطن في المدارس العسكرية وأول من طور قضية التعليم في القوات المسلحة وأول من عمل مدرسة خاصة وطنية متطورة على منهج أجنبي مع مراعاة العادات والتقاليد واللغة العربية.

وفعلاً كانت النهضة الوطنية وبدأنا بـ 300 طالب والآن 3800 طالب. وأسست جامعة «البيان» وسننشئ جامعة النهضة.

التحق الجنيبي بالجيش وكان أول مدير مواطن يتولى مسؤولية مدارس الثقافة العسكرية بعد مديرها الأسبق الذي كان إنجليزيا، وبدأ العمل لمدارس يبلغ عدد طلابها 150 طالباً مواطناً حتى وصلوا إلى خمسة آلاف طالب في مختلف مناطق الدولة، وذلك قبل أن يتركها وتغلق أبوابها بسبب عدم الحاجة إليها بعد إنشاء كليات عسكرية خاصة بالجيش، كذلك تولى إدارة مدارس تعليم الكبار ومعهد اللغات في القوات المسلحة.

جائزة خليفة مثال يحتذى

جائزة الشيخ خليفة للمعلمين هي مجموعة حوافز للمعلمين، وأتمنى أن نركز على الذين في مجال التعليم وأؤمن أنه لابد أن يكون عندنا المعلم والطبيب والعسكري والعامل وأن يكون المواطن غير اتكالي لكي نبني البلد.

الإمارات واجهة علمية

الإمارات مقصد تعليمي للكل فأعرق الجامعات أيضاً افتتحت هنا. جامعة السوربون جامعة عريقة والفرنسيون متفوقون ولكي تنجح الجامعة بعيداً عن الأهداف الاقتصادية يجب أن يكون لها امتداد، على سبيل المثال افتتاح مدارس باللغة الفرنسية لكي يستطيع الطلبة التعلم في السوربون مستقبلاً. في ظل العولمة يجب أن ندرس ذاتنا وكما نأخذ نعطي، فنحن لنا جذور وثقافة وهذا يحتاج لمختصين على دراية بتربية نشء يستطيع أن يسوق ثقافتنا.

العرب لا يتحدون

نحن كشعوب عربية لم نحاول حتى الاتحاد على رأي، فهل هذه طبيعة أم جينات؟ نحن نتفق على ألا نتفق، الحديث عن أوروبا، أوروبا دول متفرقة لا يوجد رابط بينها ولكن أصبحت لها عملة ومجلس وأزالوا الحدود. عربياً فقط دول الخليج من خلال مجلس التعاون فنحن حبانا الله بالثروة، ونحن دول متقدمة والعالم يحتاج لنا.

مراحل التعليم

كان التعليم يعتمد أساساً على الكتاتيب، ومعظم الناس في ذلك الوقت كانوا حافظين للقرآن أو جزءا منه، ثم تأتي المرحلة الثانية في الخمسينات تقريباً، حيث انتشر التعليم في منطقة الخليج وخاصة الكويت والبحرين والإمارات، وكانت الكويت سباقة في إرسال بعثات تعليمية تتضمن مدرسين لتعليم الأولاد والبنات في المدارس، من خلال مناهج دراسية مصرية في المقام الأول.

وتم تدريس تلك المناهج لمدة طويلة، وكانت مناهج اجتهادية مستوردة ويزاد عليها بعض الأشياء وكان تركيز الموجهين على التلقين والحفظ، واعتقدوا أنه كلما كان الكتاب ثقيلاً كان أفضل، واعتمدوا على الحفظ أكثر من الفهم والاستيعاب، ثم تطورت المناهج بعد عدة سنوات وخاصة بعد تخصيص وزارة التعليم في أبوظبي والعين، وكان يخصص للتلاميذ وقتها رواتب صغيرة ولكن من أجل تشجيعهم على التعليم ومتابعة الدراسة.

وكانت مصر أهم دولة ذهب إليها أهل الإمارات لإكمال دراستهم الجامعية، وعدد أقل كثيراً ذهب إلى العراق، وقليل جداً ذهبوا إلى الجامعة الأميركية في بيروت. وخلال بحثه في هذا الموضوع وجد أن تلك المرحلة في السبعينات كانت امتدادا للحفظ والتلقين، ووجد أنه من الأنسب أن يتخصص الطالب في الدراسة التي ينوي الالتحاق بها.

فطالب الطب أو الهندسة لن يستفيد كثيراً بهذا الكم الهائل من المواد النظرية التي لن تفيده فيما بعد، وكانت البعثات التعليمية لأبناء أبوظبي سبباً في البحث بجدية لتغيير سياسة التعليم والاعتماد على اللغة الإنجليزية، وزاد عدد أبناء الدولة المتعلمين، وفكرت الدولة في قضية تطوير التعليم بشكل جاد وحاسم، وعدم انحسار المناهج في إطار الحفظ والتلقي فقط.

أولادي متفوقون

عندي خمسة أولاد؛ ولدان وثلاث بنات الأبناء درسوا في المدارس العسكرية وتخرجوا بامتياز، طلال ومحمد ذهبا لأميركا، طلال درس في جامعة جورج واشنطن ودرس الماجستير بتفوق، وحصل على الدكتوراه في بريطانيا من مانشستر بتخصص الموارد البشرية ، وأصبحت رسالته في مكتبة الجامعة ودرس عندهم، وهو يعمل معي.

محمد هندسة إلكترونية واتصالات درس في أميركا جامعة جورج واشنطن، اخذ الشهادة وأنهى الماجستير ودرس في بريطانيا تخصص إدارة هندسية وهو يعمل في القوات المسلحة في سلاح الإشارة. أما البنات فكلهن درسن في جامعة الإمارات واحدة مديرة مدرسة النهضة للبنات، والثانية مديرة روضة، والثالثة هندسة إلكترونية مديرة معلومات، أنا أحب القراءة والشعر والرياضة وخاصة كرة القدم نال، ومطلع على كل ما هو جديد.

5791

كانت المدارس عام 1975 تعتمد على منهاج وزارة التربية والتعليم، وحاولنا قدر المستطاع تكثيف اللغة الإنجليزية لأنها لغة عالمية، وخاصة أن تلك الفترة كانت بداية لسفر طلاب أبوظبي في بعثات تعليمية إلى الخارج وتحديداً بريطانيا وأميركا

رياضة

ترشحت على مستوى المجلس الأعلى للشباب والرياضة، وانتخبت مع أحمد أبو حسين و سالم الغماي و قاسم سلطان خليفة ناصر وأنا كنت عضواً في مجلس الشباب والرياضة ثم عضواً في اللجنة الأولمبية التي ترأسها الشيخ بطي المكتوم، وأنا من مؤسسي نادي الوحدة

تنشر «البيان» حوارات أجراها تلفزيون دبي مع نخبة من الشخصيات المتميزة في مجالات متنوعة على الصعيدين المحلي والخليجي في برنامج بعنوان:

«وجوه عربية»

إعداد وانتاج : منى عنتر

إخراج :حسين بن حيدر

أعدها للنشر ـ عبد المنعم الشديدي