تشكل فكرة الارتقاء بالموسيقى في زمن العولمة بغية جعلها قابلة للتلقي والتذوق في زمن كثرت فيه الأذواق والألوان الموسيقية وتعددت، مهمة شاقة جديدة تقع على عاتق المبدعين الورعين، الذين لا يزال يشدهم عبق التراث ويستشعرون ضرورة صونه في وجه فيضانات ثقافية تعم العالم، الأمر الذي يشكل هاجسا حقيقيا في أذهان قيادة وأعضاء جوقة « قوس قزح» .
وعلى رأسهم المايسترو حسام بريمو، وكيل المعهد العالي للموسيقى في سوريا،والتي قدمت، مساء أول من أمس، حفلة موسيقية كبرى لا تخلو من إثارة، على خشبة مسرح معهد الفنون المسرحية في الشارقة، بدعوة من مجموعة مسارح الشارقة، التي تكون باستضافتها لهذه الجوقة قد أسدلت الستار على برنامج الفعاليات المتنوعة والغنية التي استمرت طوال شهر يوليو الماضي، والتي جالت عدة مدن إماراتية.
أغنيات تراثية
« قوس قزح» أمتعت الجمهور بمجموعة من الأغنيات من التراث العربي عموماً، والسوري خصوصاً مثل« طلعت يا محلا نورها»، فيلالما بدا يتثني»، «السوق الدمشقية» وبعض الأغنيات الأخرى بلغات مختلفة كالصينية والاندونيسية والتركية والايطالية والبرتغالية والاسبانية،.
وقد وزعت هذه الأغنيات بطريقة اعتمد فيها على تنوع الصوت ما بين ال«سوبرانو» وال«آلتو» وال«تينور»، بين أفراد الجوقة الذين بلغ عددهم 22 شخصا بالإضافة إلى المايسترو، وقد لفت هذا التنوع والأداء المحترف والمنسجم بين أعضاء الجوقة جمهور الأمسية، الذي امتلأت به القاعة من مواطنين ومقيمين من جاليات مختلفة.
تجربة إبداعية
وسيم إبراهيم، أحد أعضاء« قوس قزح» ويعد أحد ركائز هذه المبادرة الموسيقية الرائدة لجهة توزيع الموسيقى والأغاني، حيث قام بتوزيع عدد كبير من الأعمال التي قدمتها الجوقة على مسرح معهد الفنون في الشارقة .
« البيان» أجرت مع الفنان الشاب، على هامش الحفلة الموسيقية، حوارا مقتضبا، حاولت من خلاله استجلاء بعض جوانب هذه اللعبة أو المغامرة الموسيقية، التي قد لا تخلو من مخاطر، حالها في ذلك حال أي تجربة إبداعية مبتكرة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بتوزيع الأصوات الموسيقية الرئيسية الأربعة المعروفة.
حيث أكد إبراهيم أنه في البداية لا بد من التأكيد على أن جوقة« قوس قزح» تقدم فنا كوراليا عالميا الأساس فيه هو توزيع الأصوات البشرية إلى أربع أصوات، هي ال«سوبرانو»،وال«آلتو» عند البنات، و«تينور» و«باص»، وغيرها مثل « فاري تون» و« كونترا آلتو» ،« كونترا تينور»، حيث يشكل عمل الجوقة محاولة شبه أولى في الوطن العربي، تقوم على توزيع الغناء العربي على أربع أصوات.
وأضاف «حاولنا من خلال دراستي في المعهد العالي وبوجود المايسترو حسام بريمو، الذي وضع بعض التوزيعات الموسيقية، أن نقوم بتوليف هذه الفكرة التي يمكن أن نصفها بالغربية وهي الغناء الكورالي المكون من أربعة أصوات حتى نتمكن من إدخاله على الموسيقى العربية في محاولة ليس لتقليد الغرب، بقدر إغناء الموسيقى الشرقية، التي تتوفر على عناصر غنية أكثر من أي موسيقى في العالم، علنا نتمكن من دعمها بالغناء الكورالي، أي الأصوات البشرية، التي تعد أصدق تعبير عن أية حالة إنسانية يمكن أن تحدث هنا أو هناك.
كما أن الصوت البشري صوت جميل جدا، ونحن حاولنا إعطاءه خصوصية على غرار جعل صوت السوبرانو الحاد أن يأخذ حالة إنسانية حقيقية، والباص يعبر عن حالته الخاصة كصوت قائم بحد ذاته ووضع التينور والآلتو في خدمة العمل الواحد، والهدف الواحد وهو إظهار جمالية اللحن العربي ونتمنى أن نكون قد وفقنا في هذه المحاولة».
تدريب مكثف
وحول الصعوبات التي واجهتها الجوقة عموما وعملية التوزيع خصوصا في مسعاها لتنسيق كل هذه الأصوات واللغات، القادمة من ثقافات متنوعة، أوضح إبراهيم أن الأمر لم يكن سهلا، حيث تم بذل جهد كبير في هذا الاتجاه، وقال إن الجوقة تتمرن بشكل شبه يومي بينما تصبح هذه التمرينات عندما نكون نعد لحفلة خاصة حين يتعلق الأمر بالغناء، بعدة لغات وأصوات و« هارموني»، نحن لسنا معتادين عليها، مع أننا درسنا كل ذلك، لكننا بحاجة إلى تدريب مكثف.
واجهتنا مشكلة تمثلت في أن الغرب ليس لديه « ربع التون»، الموجود في الموسيقى الشرقية والذي ليس معالجا من الناحية الهارمونية، وهذه تجربة شبه أولى في العالم العربي والعالم باتجاه توزيع «ربع التون» الشرقي إلى أربع أصوات كورالية، وهي نوع من الموسيقى يسمعه الناس للمرة الأولى، ونحن رواد في سوريا في هذا المجال كجوقة قوس قزح.
ونتمنى مواصلة هذا الجهد بحيث يساعد على إغناء المكتبة العربية بموسيقى مهمة جدا، ومعالجة بشكل علمي مع الحفاظ على الطابع العربي للأغنية، وعدم تقليد الغرب والاستفادة من كل العلوم الموسيقية في العالم.
وفي ما يتعلق باستساغة هذا النوع من الموسيقى من قبل جمهور غير عربي، أكد الموسيقي الشاب إبراهيم أن الجوقة خاضت هذه التجربة في الشام بسبب وجود جالية غير عربية هناك تحضر فعاليات الجوقة، ورأينا خارج الشام أيضا أنه كان هناك عدة انطباعات أساسية ومشجعة ومهمة إلى حد كبير، ولا سيما عندما سمع الأجانب موسيقانا، لأنهم ما كانوا يتوقعون أنه لدينا في الشرق هكذا نمط من الموسيقى، وهكذا معالجة للفكرة الموسيقية العربية.
الشارقة- باسل أبو حمدة
