دأب العرب على البحث عن نقاط ائتلاف تجمعهم بعد فرقة، سواء في شأن سياسي، أو اجتماعي، أو رياضي، وعلى الرغم من دوره في تأزم الأمور بين دولتين عربيتين خلال الشهور الأخيرة، لكن يبدو أن الإعلام هو السبيل الأكثر فاعلية لإنجاز حلم الوحدة العربية الذي طال انتظاره.
ومن خلال هذا المشروع الذي تناقشه اللجنة الدائمة للإعلام بمقر جامعة الدول العربية المتعلق بإنشاء «مفوضية الإعلام العربي»، فإن الجامعة تبني آمالاً عريضة لصياغة جديدة للحركة الإعلامية العربية. لكن الملاحظات السعودية والإماراتية والتحفظات المطروحة على المشروعلا تزال تقف به في منطقة الدراسة، والذي من المقرر أخذ الموافقة عليه خلال القمة العربية الاستثنائية في أكتوبر المقبل؛ نظراً لاعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية في ظل انتشار نحو 500 قناة تلفزيونية عربية تحتِّم وجود هيئة تعنى بتوفير ظروف ملائمة ليس فقط لبقاء هذا القطاع المجتمعي والاقتصادي.
بل أيضاً لضمان نموه الطبيعي الدائم، وهناك آمال على هذا المشروع في ما يتعلق بتحديث الخطاب الإعلامي العربي وضمان مستوى عالٍ من الموضوعية في محتواه؛ كسباً لثقة المشاهد وإرساءً لمصداقية الخطاب لدى الرأي العام الدولي.
وبين مؤيد ومعارض تقف آلية هذه المفوضية لدى وزراء الإعلام العرب موقف المشكوك في أمره، فمنهم من أعلن تحفظه وانتقاده لسياسة عملها، ومنهم من وصفها بالتناقض وعدم وضوح الرؤى، وفريق ثالث رأى أنها ستصبح عبئاً مالياً على الجامعة مقابل ضآلة في المردود، ورابع متخوِّف من أن تكون ذريعة للتدخل في شؤون كل دولة عربية.
هدف غامض
إلى ذلك، تؤكد د. نجوى كامل، وكيل كلية الإعلام جامعة القاهرة، أن فكرة إنشاء آلية إعلامية موحدة عربياً محكوم عليها بالفشل، خاصة إذا كنا نتحدث عن مفوضية تابعة للجامعة العربية؛ لأنها ستكون مفوضية حكومات، خاصة أن حكوماتنا العربية لا يوجد بينها اتفاق في سياساتها.
وهو ما ينعكس سلبياً على الإعلام، خاصة الإعلام المكتوب في كل الدول العربية، وتتساءل عن الهدف الغامض من إنشاء مثل هذه المفوضية، مفترضة أنه إذا كان الهدف منها هو تكميم بعض القنوات الفضائية المعارضة أو التي تبث بعض النقد لدول عربية فإنها ستُرفَض.
وإن كان الهدف منها مراعاة قيم ومبادئ المجتمعات العربية وأخلاقيات الممارسة المهنية، فإنه قد ثبت أننا كعرب لا نتفق حول أخلاقيات واضحة، ففي الوقت الذي نرى قنوات دينية مستنيرة نجد قنوات للانحلال والعري، فضلاً عن البعد التجاري الذي لا يمكن إهماله وهو ما يحرك جزءاً كبيراً من الأنشطة الإعلامية العربية؛ لذا فإن مفوضية للإعلام العربي بالشكل المطروح ؟
حسب قولها - لن تجدي، واقترحت أن يتم وضع مثل هذا الإطار الإعلامي مثلاً من خلال اتحاد الصحافيين العرب الذي من شأنه وضع ضوابط بعيداً عن تدخل الحكومات.
فشل ذريع
يتفق معها د. حسين حسني، الأستاذ بمعهد علوم الإعلام والاتصال بجامعة 6 أكتوبر.. مؤكداً أنه لا يمكن لهذه المفوضية أن تحقق النجاح المنوط بها ما دامت تعمل تحت مظلة الجامعة العربية التي سجلت فشلاً ذريعاً مع قضايا الأمة العربية وخذلت الرأي العام العربي.
كذلك لا يمكنها أن تحل بديلاً عن وزارات الإعلام؛ ذلك أن الوزير منوط به التعامل مع الشأن الإعلامي الداخلي لدولته في المقام الأول، وما دون ذلك مجرد بروتوكولات واجتماعات شكلية الهدف منها إظهار ما يسمى «التعاون العربي المشترك»..
مشيراً إلى أن الأهم من هذه المفوضية اختيار بعض الإذاعات والقنوات والصحف العربية المؤثرة في العالم العربي والعالمي وعقد اجتماعات بحضور ممثليها لوضع خطة مدروسة تتم الموافقة عليها من أجل الاتفاق والتطوير، كذلك إجراء استطلاع لرأي فئات مختلفة من الشعوب العربية وأساتذة الإعلام بالجامعات؛ ليشاركوا في إنتاج المحتوى الإعلامي سواء كان مقروءاً أو مرئياً.
محمودة ولكن
على الجانب الآخر، يرحب د. محمود يوسف، رئيس قسم العلاقات العامة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، بأي عمل عربي يؤدي إلى الحفاظ على الحد الأدنى من التفاهم وتوحيد المواقف الإعلامية، خاصة في ما يتعلق بقضايا محورية مثل الصراع العربي الإسرائيلي أو التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة..
مؤكدًا أن إنشاء مفوضية للإعلام العربي فكرة محمودة، لكن يجب أن يكون عملها قائمًا على أساس الاعتراف بالخصوصية الثقافية والاجتماعية لكل دولة على حدة، وألا يجوز لها أن تكون آلية للتدخل في الشؤون الداخلية، ويرى أن أهم قضية ينبغي أن تكون على دائرة اهتمام هذه المفوضية التزام وسائل الإعلام العربية عند مخاطبة الآخر بتغليب المصلحة القومية على سائر الاعتبارات؛ لأن اختلاف الألسن التي تنقل قضية معينة يُفسَّر في الغرب على أن العرب لا يتفقون إلا على عدائهم لإسرائيل.
بالإضافة إلى قضية الالتزام بالضوابط الأخلاقية والمهنية لوسائل الإعلام، وذلك بألا تفرق بين الأديان المختلفة أو أصحاب الدين الواحد المختلفين في النّحَل، فمن الممكن أن تلعب المفوضية دورًا في إسكات صوت القنوات التي تروِّج للخرافة وتفسير الأحلام بطريقة غير شرعية، فضلاً عن قضايا الإعلام الرياضي التي تصبُّ في النهاية في نهر السياسة، ما يعمِّق الانقسامات ويشعل الحروب النفسية بين الأشقاء العرب..
مشيرًا إلى أنه في حالة فشل المفوضية فإن البيانات العاجلة الصادرة عنها يمكن أن تسهم في إصلاح الواقع الإعلامي العربي، وأكد أن العرب ما زالوا يحتاجون إلى العمل تحت مظلة الصبر، وإذا كانوا قد تعاملوا مع قرارات الأمم المتحدة على مدى عقود سابقة باعتبارها غير ملزمة، فلا بد من الصبر على مثل هذه المشاريع التي تبدو في بداياتها عسيرة.
ملاحظات سعودية
أعربت وزارة الثقافة والإعلام السعودية عن تحفظها على تبعية المفوضية للأمين العام للجامعة العربية، في حين أن السلطة العليا في هذه المفوضية للمؤتمر السنوي الذي يضم وزراء الإعلام العرب، وأكدت أنه ينبغي أن يكون ارتباط جهاز المفوضية بالهيئة العليا للمفوضية وليس بأمين الجامعة العربية، وانحصار نشاط المفوضية بالأساس في الإعلام السمعي والبصري والإلكتروني.
كما انتقدت الصلاحيات الواسعة للمفوضية في مجالات عدة التي هي من صميم اختصاصات المنظمات والمؤسسات والهياكل العربية ذات العلاقة المباشرة بقطاع الإعلام السمعي والبصري والإلكتروني؛ ما يفضي إلى تعطيل مسالك عمل هذه الأجهزة وأنشطتها ويفرغ الرسالة الإعلامية التي تضطلع بها من محتواها، بالإضافة إلى العبء المالي الكبير الذي تمثله المفوضية على كاهل جامعة الدول.
مواقف عربية
قدم د. طارق متري، وزير الإعلام اللبناني، ورقة أبدى فيها ملاحظات حول مشروع المفوضية، أهمها أن النظام الأساسي لإنشاء مفوضية للإعلام العربي لم يحدد بوضوح العلاقة بين المفوضية واللجنة الدائمة للإعلام العربي أو بينها واللجنة العليا للتنسيق بين الفضائيات العربية، فضلاً عن تشابك الدور مع اتحاد إذاعات الدول العربية، كذلك تساءل د. محسن بلال، وزير الإعلام السوري، ما إذا كانت المفوضية ستصبح الجهاز المعني بشؤون العمل الإعلامي العربي المشترك كافة أم لا؟..
مشيراً إلى أنه لم يلحظ في مشروع المفوضية أي ذكر لمقاطعة العدو الإسرائيلي وعدم السماح له بالبث من أراضي أي دولة عربية. وقالت وزارة الإعلام المصرية على لسان وزيرها أنس الفقي، إن هذا المشروع لم يتضمن أي مرجعيات في مسألة حفظ التراث الإعلامي والسينمائي للحفاظ على الذاكرة العربية المشتركة، كما أبدى المجلس الوطني للإعلام بدولة الإمارات العربية المتحدة ملاحظاته حيال المشروع.. مؤكداً أنه بشكله الحالي يمثل بيئة «بيروقراطية» جديدة تثقل كاهل أجهزة الجامعة العربية.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

