في حضرة الموسيقى يغيب الكلام، ويخفت صوت اللغات واللهجات على مختلف مشاربها، مفسحا المجال أمام لغة يفهما العالم أجمع بمعزل عن انتماءاتهم العرقية أو العقائدية أو القومية وخلافها، إنها الموسيقى وعذوبتها بتنوعها، كانت حاضرة على مسرح معهد الشارقة للفنون، الذي احتضن صباح أول من أمس ورشة عمل للأداء الصوتي (فوكال) للتدرب على استخدام الأصولات الموسيقية أدارها المايسترو حسام الدين بريمو الوكيل العلمي للمعهد العالي للموسيقى في سوريا، وحضرها جمع من المتدربين والمتدربات من المواطنين والمقيمين، الذين تنوعت أعمارهم من الأطفال حتى الراشدين مرورا بالشباب طبعا.

الأصوات ومخارج الحروف والتحكم بالتنفس وتطويعه لصالح الصوت، وصولا إلى استخدام البطن وتطويع حركة الجسد انسجاما مع الأصوات، كانت من أبرز مفردات الدورة، التي بدا وكأن هذا اللقاء الذي جمع المدرب بطلابه لم يكن الأول من نوعه، إذ تجلت حالة لافتة للاهتمام من الانسجام والتناغم بين طرفي معادلة التلقي والالقاء، فراح الطلاب ينفذون توجيهات مدربهم بكل سلاسة، ولسان حالهم يكاد يقول: هل من مزيد نتعلمه في ميدان لغة العالم، الموسيقى.

وكان من الطبيعي أن يطرح سؤال، حول ماهية ومنشأ هذا النزوع إلى توحيد أصوات شعوب العالم في صوت واحد لا يلغي خصوصيات أي صوت من أصوات الشعوب وإنما يتكامل معه ويكمله مشكلاً لوحة من الفسيفساء لكل قطعة فيها نكهة ومذاق خاصان، لكنها في الوقت ذاته تشكل جزءا لا يتجزأ من تلك اللوحة الكونية البديعة. وأكد بريمو على البعد المفاهيمي لهذا النوع من الموسيقى العالمية، قائلاً:

إن لكل شعب تراثا وذاكرة ووجدانا تتشكل على أساسها الأصوات، لكن طرق استخدام تلك الأصوات عادة ما تنطوي على نواقص صوتية، وذلك يعود إلى أنه ليس هناك من شعب قد أكمل موسيقاه تماما، وإنما اكتفى بما ورثه عن أجداده، لكن العالم بات يشهد الآن ظهور مدارس تتصف بالشمولية، مع مراعاتها لخصوصية الغناء لكل أمة، بينما تجمع في الوقت ذاته التفاصيل والمفردات الصوتية لكل أمة من تلك الأمم.

وحول الأمثلة التي يمكن الحديث عنها في ميدان الاختلافات بين أصوات الشعوب، قال بريمو: إن هناك شعوباً تفتح الصوت، بينما أخرى تغلقها على غرار الصينية القائمة على الغنة، وهنا يأتي دور ما يمكن أن نسميه مدارس الصوت الحديثة، التي تقوم بالجمع ما بين صوتين أو أكثر من مخرجات الصوت، وذلك حتى يتسنى لمختلف الأمم والشعوب الافادة من أصوات بعضها بعضاً، وتبادل الأصوات وتكملتها في مشهد قد يطول من الناحية الزمنية، حيث ينكب المتخصصون على البحث في تفاصيل تلك الأصوات.

أوضح الفنان السوري بأن هناك شعوباً مثل الشعوب التي تعيش شرق المتوسط يقوم غناؤها على عنصر التجويد وقراءة القرآن الكريم وعلى الصوت المغلق، وأن هذه الخاصية تستفيد منها شعوب العالم الأخرى ولا سيما الأوروبية منها، التي أخذت من الشعوب المسلمة الرنين المغلق، بينما أخذت الأخيرة الصوت المفتوح من شعوب القارة القديمة.

وأشار إلى أن التركيبة أو هذا الخلط بات يعرف بالمدرسة التوفيقية العالمية، التي اصبح لها الكثير من المتذوقين والمعجبين حول العالم وذلك لأن الناس في أوروبا، على سبيل المثال، ما عادوا يستسيغون الأوبرا كثيرا، بينما الناس في لبنان، على سبيل المثال أيضا، ما عادت تستهويهم العتابا والميجانا كما كان عليه الأمر في السابق.

وأكد بريمو أن الانسان العربي أقدر على غناء كافة الألوان وذلك يعود إلى إجادة استخدام أماكن الأصوات في الفم، وموسيقى العالم تستفيد من تلك الأصوات، وتنهل من خاصية التنوع، وتجمع بين كافة أنواع الأصوات الصينية والأميركية والاسبانية والتركية والمصرية والخليجية والسورية، بينما من يقوم بأداء كل تلك الأصوات هم كوكبة من الفنانين السوريين الذي يشكلون فرقة أو جوقة اسمها «قوس قزح».

الشارقة- باسل أبو حمدة