لدخول الصيف أو ما درج الأهالي على تسميته «القيظ»، حكايات سمر وثمر، ففيه يبدأ الأهالي بالاستعداد لموسم المقيظ، والارتحال نحو الواحات وسفوح الجبال اتقاءً للحر، ورغبةً في الحصول على خيرات الطبيعة من الرطب والفواكه التي تلون خارطة الصيف وتجعله موسم الطعام بامتياز.
في الصيف تثمر النخيل، فتمتلئ الموائد بأفخر الأنواع، ويتم تداوله بصورة كبيرة طوال شهور القيظ ويُقدم مع الوجبات الرئيسية، أو كنوع من الضيافة «الفواله» إلى جانب القهوة، وما بقي منه يتم تجفيفه وحفظه، لصناعة التمر، الذي يُعد مخزوناً رئيسياً لأيام الشتاء، حين لا يتوافر الرطب، ويدخل التمر في صناعة أطباق محلية عديدة على مدار العام.
تعددت وجهات الأهالي عند «المقيظ»، ولعل واحات مدينة العين كانت أشهر المصائف بالنسبة لسكان الدولة، باعتبارها غنية بأشجار النخيل والثمار كالليمون والمانجو وتتميز بوفرة آبارها وعيونها التي كانت تستخدم لري النخيل وأشجار الفواكه، واستدعت رحلة المقيظ خروج العائلة بأكملها، حينها كانت تُشد الرحال إلى واحات العين مما خلق نوعاً من الهجرة والانتقال الموسمي بين المناطق المختلفة داخل الإمارات وفي بعض الأحيان يتعدى أرض الإمارات فيصل إلى دول الجوار مثل سلطنة عمان.
وفي العين تحديداً كان للمقيظ طعم مختلف ففيه يستبشر الأهالي بحبات رطب النغال، وما ينتج المزارعين من محاصيل الفاكهة، ويخلق المقيظ حراكاً جميلاً في مدينة العين، حيث يُسر أهاليها باستقبال الحضّار (أهل الساحل) في قوافل جماعية من كل حدب وصوب، يتوافدون في ما يُشبه الاحتفال السنوي، حينها يحلو تسامرهم في ليالي العين وسط أشجار النخيل وتحت النجوم والقمر، فيتحول حر الصيف إلى حكايات يتداولها الأهالي كل عام. وتنوعت مقايظ الإمارات قديماً بين مقايظ المناطق الجبلية في رأس الخيمة مثل خت وغليلة والحيل ومعيريض وشعم.
بالإضافة إلى دبا ومسافي في المنطقة الشرقية، وعادة تكون هذه المقايظ وجهات الأهالي المفضلة في وقت الصيف، لأن رياح الكوس الباردة تهب عليها في شهور الصيف من جهة بحر العرب فتنخفض درجة حرارتها.
وبمجرد وصولهم، يبدأ الحُضار ببناء العريش في البراحة بعضهم يعتمد على نفسه والبعض الآخر يستأجر من يبني له العرشان مقابل أجرة في العادة تبلغ خمس روبيات فقط. واستعان الأهالي ببناء العريش لميزاته، ذلك كون العريش يُدخل الهواء من كل جانب، ولطبيعة المواد المصنوع منها وهي سعف النخيل، وتفرش من الداخل «بالحصر».
وهي كذلك مصنوعة من سعف النخيل، ويرش الماء على أطراف العريش من الخارج حتى إذا لامسته النسمات تكون باردة، وهي وسيلة لتبريد الهواء في وقت لم يتعرف الأهالي بعد إلى وسائل التهوية الحديثة. كما اتجه الأهالي قديماً إلى مناطق على الساحل الشرقي للإمارات وبعض مناطق الإمارات الشمالية، لانخفاض درجات الحرارة ونسبة الرطوبة،
وشكلت الصوغة مفهوماً استحوذ على اهتمام الأهالي، وكان محط انتظار وترقب بعد وصول الأحباء المسافرين، وعاملاً لتعزيز أواصر التراحم والتعاطف بين الجيران والأقارب، وهدايا الصيف تمثلت بالرطب والليمون والدجاج وغيرها من المواد الغذائية والمنزلية.
أما من فاتته رحلة «المقيظ» فإنه يلجأ إلى حل آخر لتخفيف وطأة الحر، مثل الاستعانة بالسكن في بيوت ذات فتحات بدافع التهوية، ويبقى منتظراً عودة من «حضروا» العين والباطنة ليظفر بالصوغة وهي هدية المسافر.
وخلال رحلات المقيظ يتبادل الأهالي المواد الغذائية، فيعمل سكان السواحل على بيع السمك المجفف (العومه) والعوال والقهوة والطحين ومقايضتها بالرطب والهمبا (المانجو)، فكان هناك خط رحلات معتمد عن طريق البحر من الشارقة ودبي إلى ابوظبي، وتستمر أربعة أيام، ويقوم البعض بتأجير الإبل للوصول إلى الواحات.
وتبقى حكايات المقيظ ذكريات نحتها الأهالي عبر مسارات تنوعت بين الواحات والجبال، واستمتعوا بثمار الصيف التي خففت وطأته وجعلته موسم الفرح والبهجة.
