أنا فنان رمزي، و لكنني معاصر أيضا. لقد تغيرت الطريقة التي نرى بها العالم من حولنا، و أنا أحاول تجسيد هذا المعنى من خلال لوحاتي. لقد اقتحمت الصور حياتنا بشكل غير مسبوق، إني أدعو الجميع إلى التمعن والنظر في الأشياء عن قرب، من أجل تقييم هذا التنوع في الكون، و تأمل الجمال في كل شيء حولنا).

بهذه الكلمات المعمقة، لخّص الفنان اليوغسلافي، سافيت زيك، الذي توفي أخيرا، عن عمر ناهز ال 66 عاما، طبيعة ومضمون تجربته الإبداعية ورؤيته الحياتية، وذلك قبل رحيله بمدة قصيرة،حسب ما جاء في صحيفة (نيويورك تايمز)،التي أوضحت أن زيك تحدث بهذا خلال حفل افتتاح معرض فني له، في مدينة فينيسيا الإيطالية، قبل أيام قليلة من وفاته، حيث ضم قرابة ال 130 قطعة فنية على القماش، ولوحات بالألوان المائية، ومنحوتات صممها على مدار السنوات العشر الماضية.

وذكرت الصحيفة أن زيك أكد أثناء ذلك، أن المعرض يشكل الحلقة المفقودة لاستكمال دورة حياته الفنية جميعها، متطرقا إلى قصة قدومه لإيطاليا للمرة الأولى، قبل 44 عاما، وذلك عندما ضل الطريق عن رفاقه الرسامين خلال الرحلة من بلغراد إلى روما.وقال بهذا الشأن: «لم يكن لدي وقتها وثيقة السفر ولا مال، و لا أي شيء حتى.

لكن تمكنت من التسلل إلى داخل فينيسيا، وذهبت إلى ميدان (بيازا سان ماركو) آملا بأن أجد أحدا من رفاقي هناك، فأبهرتني فيه روعة المكان والمناظر الفنية الخلابة والموسيقى التي تصدح من كل جانب، وحينها راودني الحلم بأن أعود إليه يوما ما فنانا مشهورا وناجحا، فتمنيت لو كنت أمتلك مرسما».

رد فعل إبداعي

رغم الموهبة الفريدة التي تملكها زيك، إلا أن مشواره الفني لم يكن مفروشا بالورود. ففي عام 1964 ، لم تشفع له أول لوحة قدمها لأكاديمية بلغراد في الانضمام إلى مصاف فنانيها، نظرا لافتقارها إلى السمات الفنية السائدة آنذاك. وقد بين مرة في هذا الخصوص أنه لجأ إلى تجسيد المناظر الطبيعية في أعماله بعد ذلك كنوع من رد الفعل، وأضاف:

لم تحتو أعمالي تلك الفترة، على المهارات نفسها التي كنت أستخدمها منذ طفولتي وحتى مرحلة النضج الفني. هذا النوع من الأعمال هو في حقيقة الأمر سخرية من التقليدية الفنية، إلا أنها لاقت إشادة من قبل خبراء، حتى أن أستاذي في الأكاديمية اشترى إحدى اللوحات تشجيعا لي، فكانت تلك أول عمل أبيعه.

قصة المرسم

لقد استطاع «زيك» بعد ذلك تطوير قدراته عبر أعمال أكثر تعقيدا، بعضها من الطبيعة وأخرى معمارية، حيث أضافت الكثير إلى سجل إنجازاته الفنية. وفي عام 1970 ، أنشأ هذا المبدع،مرسما خاصا به، في أحد المنازل القديمة بمدينة «بوسيتيغ» اليوغسلافية، لكن دمرته الحرب بعدها بفترة قصيرة، فأضاعت إبداع سنوات في أعمال النحت والنقش على النحاس. ويقول زيك في هذا الصدد:

لا شك أن تلك الصدمة التي خلفتها الحرب، وما ترتب عليها من فقدان أعزّ لوحاتي، إضافة إلى فراري من وطني، مثلت محطات جوهرية أثّرت على اتجاهاتي الفنية، وانعكست على أعمالي.

تحول

شهدت مسيرة زيك الإبداعية، لاحقا، انعطافة حيوية، تمثلت في هجره للرسم الوصفي، وعاد إلى الرسم التفصيلي، فأخذ يرسم أدواته التي يستخدمها في مرسمه بكل تفاصيلها، حيث وجد في ذلك مخرجا من حالة اليأس نحو التمسك بالحياة مجددا.

وكانت آخر كلماته، قبل وفاته بأيام: ربما تبدو لوحاتي للبعض ناقصة، ولم تستكمل بعد، ولكننا لسنا في عصر الفن الكلاسيكي، والذي يفرض إتمام الأعمال الفنية. فلوحاتي تركّز على أوجه معينة للموضوع من أجل إبراز سمات معينة دون غيرها. فلو كنت مثلا أرسم وجها لإنسان ما، سوف أركز على الجانب الذي لفت انتباهي أكثر، وهي إما الأيدي أو القوام أو المعطف الذي يرتديه الشخص،وبذا فإن العناصر الأخرى تبقى فرعية.

ترجمة- هشام فتحي