في سياق البحث المحموم عن مصادر طاقة بديلة، حاول الإنسان في العقود الماضية توليد الكهرباء من طاقة أمواج البحر، ومن طاقة المد والجزر. لكن الآن يحاول المهندسون استثمار عنصر آخر من موارد البحر الوفيرة، ألا وهو الملح.
وقد وصلت الجهود لتوليد الطاقة الكهربائية من فارق الملوحة بين مياه البحر والمياه العذبة، المأخوذة من الأنهار والبحيرات، إلى مراحل متقدمة في أوروبا، حيث يتم الآن اختبار أسلوبين متباينين لتحقيق الغاية نفسها.
وفي الآونة الأخيرة، حصلت شركة ريدستاك، في مدينة سنيك بهولندا، على إذن رسمي ببناء بطارية ملح أولية في سد أفسلوسيوديك بشمال البلاد، تستمد طاقتها من المياه القادمة من إحدى البحيرات الداخلية ومن بحر الشمال. ومن المفترض أن تتمكن المحطة في البداية من توليد 5 كيلوواط، لكن الشركة تأمل في زيادة طاقتها إلى 50 كيلوواط على مدار السنوات الخمس المقبلة في حال توفر الموارد المالية اللازمة، كما يقول مديرها بيتر هاك.
ولدى الشركة الآن محطة توليد تجريبية صغيرة تعمل على المياه التي يتم تصريفها من أحد مناجم الملح في المنطقة نفسها.
وتعتمد بطارية الملح هذه في آلية عملها على عملية تدعى الديلزة الكهربائية المعاكسة، أي عكس عملية تحلية الماء، وتتم بعزل الأملاح بالتحليل الكهربائي. وتتألف من رزمة من الأغشية، كل واحد منها عازل للماء لكنه يسمح بنفاذ الأيونات الموجبة أو السالبة، بحيث يتم ترتيب الأغشية بشكل متعاقب بدءا من النوع الإيجابي ثم السلبي، ثم الإيجابي، وهكذا.
ويتم ضخ المياه المالحة والعذبة إلى حجيرات خاصة معزولة عن بعضها البعض بالأغشية الراشحة. وهكذا تعبر أيونات الصوديوم الموجبة الموجودة في مياه البحر من خلال أحد الأغشية لتصل إلى المياه العذبة، بينما تعبر أيونات الكلور السالبة من مياه البحر في الاتجاه المعاكس. وتولد هذه العملية فرقا في الجهد بين أقطاب التيتانيوم المطلية بمعدن ثمين، والمثبتة عند طرفي خلية الطاقة. وتقدّر شركة ريدستاك بأن هناك في ما يكفي من المياه في سد أفسلوسيوديك لإمداد محطة طاقة بقوة 200 ميغاواط.
في هذه الأثناء، تقوم شركة شتاتكرافت النرويجية باختبار أسلوب مختلف لاستغلال طاقة ما يعرف بـ «التناضح المرتبط بالضغط». وفي شهر نوفمبر الماضي، افتتحت الشركة نموذجاً أولياً لتقنيتها في خليج أوسلو، بشمال البلاد. ويتم هنا استخدام غشاء منفذ لاستنضاح الماء من أحد الجوانب إلى المياه المالحة على الجانب الآخر. وهذا يولد تياراً مائياً يدير زعنفة توليد الطاقة.
لكن التكنولوجيا المستخدمة في هذه المحطات باهظة التكلفة. وبحسب تقديرات هاك، فقد تصل تكلفة بناء محطة طاقة ملحية بقوة 200 ميغاواط إلى 600 مليون دولار. وهذا يعني ان تكلفة الكهرباء المولدة بهذه الطريقة ستبلغ 90 دولارا للواط ساعة، أي حوالي ضعف تكلفة الكهرباء المولدة من حرق الوقود العضوي، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً للواط ساعة.
لذلك يعمل هاميلرز وزملاؤه الآن على تطوير نوع جديد من البطاريات الملحية، يقول إنه سيكون باستطاعته توليد الطاقة من فارق الملوحة بتكلفة أرخص بكثير.
وفي تصميم هاميلرز الجديد، يتم تمرير مياه البحر إلى حجرة تحتوي على طبقة مزدوجة من غشائين منفذين للأيونات المشحونة، مثبتين بين قطبين كهربائيين. ومثل ما يحدث في نظام الديلزة الكهربائية المعاكسة، يتم اجتذاب أيونات الصوديوم من خلال غشاء يسمح بمرور الأيونات الموجبة، ثم تجتذب من هناك إلى القطب الكهربائي. ويتم اجتذاب أيونات الكلور السالبة من خلال غشاء يسمح بمرورها فقط، لتجتذب من هناك إلى قطب آخر معاكس.
ثم تبدأ الإلكترونات الواردة إلى القطب المشحون بالكلور السالب بالتدفق إلى القطب المشحون بالصوديوم الموجب، مما يؤدي لتوليد تيار كهربائي بين القطبين.
وحالما يتم استنفاذ الالكترونات الكامنة في مياه البحر، يجري ضخ مياه عذبة جديدة إلى الحجرة، لتنجذب بذلك أعداد جديدة من أيونات الصوديوم عبر الغشاء باتجاه الماء، ولتبدأ الإلكترونات بالتدفق ثانية في الاتجاه المعاكس. وعن طريق التقلب باستمرار بين المياه المالحة والمياه العذبة بهذه الطريقة، يولد الجهاز تيارا مترددا.
ويقول هاميلرز ان تكلفة هذا الجهاز من المفترض أن تكون زهيدة لأنه لا يحتاج إلى أقطاب مطلية بمعدن ثمين، وإنما يكتفي بأقطاب كربونية رخيصة. كما انه لا يحتاج إلى زعنفات ومبادلات ضغط مكلفة. ويعتقد أن بالإمكان تصنيع النظام بتكلفة أرخص عن طريق تبديل مواضع الأقطاب المختلفة بين خزانات المياه العذبة والمالحة، بدلاً من تبديل اتجاه ضخ المياه نفسها في البطارية الثابتة..
إعداد: علي محمد
