ليلة النصف من شعبان؛ أكبر من مجرد تاريخ هجري يوحي إلى اقتراب الشهر الفضيل.. فهي في عرف أهل الإمارات والخليج العربي عموماً مناسبة تحيي في النفوس شيئاً من الموروث الشعبي وتستعيد لدى من تجاوز مرحلة براءة الطفولة ذكريات عديدة، وهي مناسبة تتمسك بمسمى يحفظه أبناء الدولة عن ظهر قلب.. إنها «حق الليلة»..
تلك الليلة التي عايشها أبناء الإمارات فالتصقت بدفاتر الطفولة لديهم وهي تسرد مواقف وذكريات لا يقوى أحد على التخلي عنها مهما تجاوزت تعقيدات الحداثة والسرعة حداً. في مدينة مدهش التي أدهشت العالم صغاراً وكباراً، جال الصبية والفتيات على أنغام أغنية «النصف من شعبان» التي أحيت في نفوس الحاضرين تراثاً أصيلاً، وهي الأنغام التي طغت لساعات طويلة على ضجيج آلات اللعب الضخمة، وعروض الفرق العالمية الكثيرة، وبذلك تمكنت من أسر خطوات الكثيرين من الآباء من دولة الإمارات والدول الخليجية الأخرى، الذين انتابتهم لحظات صمت وتأمل تؤكد التصاقهم بمعاني بريئة ترنم في ترديدها الصبية الصغار.
نصيب الأسد
«حق الليلة» حازت على نصيب الأسد من احتفالات مدينة مدهش بصالاتها وقاعاتها وأطفالها الكثيرين، وتألقت من جديد في نفوس الكثيرين ممن منحوا أنفسهم برهة من الوقت لاسترجاع شريط ذكرياتهم مع ليلة هي في مقياس الطفولة ليست كباقي الليالي.. ذلك الواقع أكده محمد عبيد الذي جاء من مدينة كلباء إلى دبي برفقة عائلته وأبنائه ليعيش معهم جزءاً من ذكريات ليلة.
يقول محمد عبيد إن الاحتفال بمناسبة «حق الليلة» الإماراتية في قلب مدينة مدهش وضمن احتفالات الإمارة بمفاجآت الصيف، أمر محبب وفيه الكثير من الدلالات الإيجابية، وتلك المناسبة تمكنت ببراءة الاحتفال بها من منح الآباء متسعاً لاستعادة ذكريات عايشوها في مرحلة الطفولة.
ويضيف: في طفولتي كنت أتنقل مع الصبية في «الفريج» وأردد معهم أهازيج حق الليلة، فنأخذ من البيوت الحلويات والمكسرات وفي إحدى المرات «بيضة مسلوقة»، وذلك تقليد إماراتي جميل يعبر عن تقارب الناس وبساطة العيش.
ويضيف أن بعض العائلات الإماراتية لا تزال تحتفل بهذه المناسبة، ولكن على نطاق ضيق وليس كما كان في السابق، وهو يخشى على الأجيال القادمة أن تفقد حقها في ليلة لم تكن يوماً كباقي الليالي.
أما سلطان عبدالله بن عياف الشامسي ابن إمارة دبي فيقول إنه جاء إلى مدينة مدهش لمعايشة مناسبة تعني له الكثير من المتعة، فهو حينما كان صغيراً ظل يؤدي مثل هذه الطقوس الطفولية، التي أمست جزءاً من الذكريات المهمة في حياة كل أب، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن عدد من الإماراتيين تخلوا هذه الأيام عن الاحتفال بهذه المناسبة بسبب انشغالهم في أمور حياتية كثيرة.
ويؤكد صالح الحمد، سعودي زائر، أنه لم يشاهد في حياته مظاهر احتفالية بهذه المناسبة من قبل، وأنه وجد نفسه مع لحظات لا تنسى من المتعة والفخر بمناسبة لا تزال تجد لدى أبنائها اهتماماً بهذا الحجم، لذلك فقد حرص على متابعة كافة الفعاليات التي رافقت موكب الطفولة الذي أجاد فن استعادة الماضي بمناسبة دينية واجتماعية مهمة.
أما يوسف سالم والذي جاء من مدينة المرفأ في أبوظبي، فيرى أن احتفال أطفال مدهش بمناسبة «حق الليلة» ترك في نفوس الحاضرين بالغ الأثر وهم يستعيدون شريط ذكرياتهم في هذه المناسبة المهمة، لافتاً إلى أنه استعاد مع الاحتفال لحظات جميلة من طفولته القديمة.
واستذكر سريعاً شريطاً من الذكريات البريئة، وهو ما منحه الثقة لإبقاء أبنائه على تواصل إيجابي مع مثل تلك الممارسات الدينية والاجتماعية التي تعني بالنسبة للإماراتيين الشيء الكثير.
ذلك الرأي أبداه أيضاً خالد حماد القادم من إمارة دبي، والذي أضاف أنه كإماراتي يعتز بكونه عايش طفولة تحفظ عن ظهر قلب معنى «حق الليلة»، وقد وجد نفسه ينسجم مع لحظات من المتعة وهو يرقب عن كثب مشهداً جميلاً رسمته طفولة مدهش فأحيت في النفوس مناسبة مرت عليها سنوات وسنوات، وهو على يقين أن تلك المناسبة لن ترثى أبداً طالما أن أبناءها على هذا الوعي والاهتمام بالموروث الشعبي الإماراتي الأصيل.
دبي ـ عنان كتانة

