ماضيه صورة مشرقة كحاضره، ورحلة حياته متسعة اتساع الصورة وأفضل صفاته الطيبة. يعيش متنقلا بين ماض وحاضر، يعتبر ان الماضي هو الأب الشرعي له، لذلك لا ينفصل عن الاثنين، تلك الأيام التي كان صغيرا فيها ولا توجد من مقومات الحياة الا ما يسد الرمق.

بحيث أصبح القوت كالياقوت، ولكن بعزيمة وإصرار كحال باقي أبناء الامارات استطاع ضيفنا ان يعبر ضفاف الحياة ليرسو في أبوظبي، ويكوّن هذه الهالة العظيمة والكبيرة التي تشبه شخصه وقلبه.

إنه محمد عبد الجليل الفهيم يحدثنا: أنا من مواليد أبوظبي ـ العين ـ تحديداً، ما أتذكره من أيام الطفولة والصبا البيت، وهو من الخيام أو العريش والحوش وهي تبرز في مخيلتي عندما أتذكر العين في بداية الخمسينات، وأتمنى أن أكون كثير الشبه لوالدي وأكون مكانه في رجاحة العقل والإنسانية.

فهو بالإضافة إلى كونه رجل أعمال كذلك رجل دولة، رافق المغفور له بإذن الله الشيخ زايد في مهام كثيرة وتعلم الكثير منه، لان زايد معلم للجميع. والدي وجدي في أبوظبي يذهبان للعين في فترة الصيف وسكنا بالعين بحكم عمل والدي مع المغفور له الشيخ زايد، الوالد بعثنا إلى أبوظبي للدراسة.

التعليم النظامي

عدم وجود الكهرباء والتلفون والكماليات كلها شكلت عبئاً وتحملنا هموم الصيف دون تكييف أو مروحة والمشي من البيوت للمدرسة والسوق تحت أشعة شمس لافحة، درست في أوائل الخمسينات عند الملا درويش و1959 افتتحت أول مدرسة نهيانية في أبوظبي، وأذكر أول مدرس أحمد الخطيب وبقي معنا سنتين بعدها جاء مدرسون أكثر وكانوا مثالا للالتزام والعمل الجدي وتعلمنا الكثير، وبعد ذلك 1964 افتتحت مدرسة للبنات.

السفر والدراسة

سافرت لأول مرة إلى بريطانيا، وكانت العام 1962 وذلك مدة شهر مع الوالد بعدها رجعنا إلى أبوظبي وحصلت على فرصة ابتعاث لبريطانيا للدراسة، وكان المطلوب دراسة اللغة الانجليزية، سافرنا من أبوظبي 1964 وبقينا إلى 1968 بعد سنتين من تولي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم في أبوظبي. استطعت إنهاء الثاني الإعدادي في أبوظبي ثم ذهبت إلى بريطانيا وأنهيت المدرسة الثانوية في بريطانيا.

ومن ثم التحقت في جامعة ثانت في كنت، وهناك حصلت الشهادة من الجامعة البريطانية في لندن وعملت موظفاً في البنك العثماني خلال الفترة التي كنت فيها في بريطانيا لمدة 9 أشهر، عملي بالبنك العثماني اكسبني خبرة وطبقت ما تعلمته في أعمالي التجارية. والعمل ليس عيباً، فعمل البنك زادني خبرة رغم توفر كل شيء لي.

ولكن لم يتسن لي انهاء كل طموحاتي المدرسية لأن أعمال والدي توسعت في أبوظبي وكانت رغبته ان أكون بجانبه وأساعده في إدارة تلك الأعمال التجارية، فاسترجعوني من بريطانيا 1968 والتحقت بمؤسسة الوالد وعملت فيها.

حيث بدأها على أساس عمل تجاري بسيط لتجارة قطع غيار السيارات 1962 في أبوظبي، وتوسعت التجارة عند تسلم المغفور له الشيخ زايد مقاليد الحكم وأخذنا وكالات سيارات مرسيدس كرايسلر وبعض الوكالات الأخرى، ولما توسعت التجارة وأصبح الوالد غير قادر على إدارة أعماله ومرافقة زايد في الوقت ذاته، التحقت بأعمال الوالد.

التعاون الأسري

والدتنا توفيت العام 1962، وسافرنا إلى بريطانيا ابتعدنا عن العائلة ولكن عند عودتنا اتينا بأفكار جديدة مبنية على أساس علمي، وكان حماسنا للعمل كبيراً، ووالدنا ناصح يرشدنا لعمل الخير ويتفانى بإكرامنا، فعندما كنت أطلب منه مصروفاً وأنا أعمل معه يقول لي لا اقدر لك مبلغاً لأن هذه شركتك أنت وإخوانك، فحافظنا على أعمال الشركة وموظفينا وكان راضيا عنا كل الرضا.

تسلم الإدارة

استلمت إدارة أعمال والدي 1969 بعد سنة من عودتي من بريطانيا، وكان عنده 7 موظفين ولما تقاعدت من التجارة كان عندنا حوالي 2000 موظف،الأسرة كانت صغيرة وكل إخواني أصغر سناً وعندما اختبرني الوالد في العمل سلمني العمل وأعطاني وكالة وحملني المسؤولية وبمساعدة المدراء حققنا عملا جيداً، وكان أول عمل لنا في أبوظبي استيراد محطات الكهرباء.

ووالدي هو من أتى بالشركة من بريطانيا وعرفهم على المغفور له بإذن الله الشيخ زايد وعندما قبلت عطاءاتهم بدأوا العمل في أبوظبي تنوير الشوارع ـ الكابلات الطرق كانت عن طريق الوالد واستيراد السيارات للبلدية والشرطة والدفاع، فكان وصول الكهرباء هو بداية البنى التحتية للبلد فالأولويات لها وللشوارع والماء.

وفي تلك الأيام لم تكن متوفرة المياه في أبوظبي وكنا نشرب الماء المالح ونستخرجه من آبار حفرناها في بيوتنا.

شركاء في بناء الوطن

الأعمال التي شاركنا فيها وقمنا بواجبنا من خلالها تجاه البلد هي الأعمال التي شاركنا الحكومة فيها، الوالد كان عضواً في مجلس البلدية، وهو من الأعضاء النافذين الذين وزعوا الأراضي وحددوا تعويضات البيوت لأهالي أبوظبي وساعدوا في تخطيط المدينة.

كذلك انا كنت عضوا في مجلس الماء والكهرباء تحت رئاسة المرحوم الشيخ حمدان بن محمد، كذلك عضويتنا في غرفة التجارة أو في بنك أبوظبي الوطني أو في المؤسسات المالية الأخرى كلها خدمات تشرفنا فيها لأنها للدولة.

زايد أساس التطور

عايشت التطور وعايشت سيرة زايد وهذه ليست ذكريات بل مفردات يومياتنا التي عشناها ولانزال لان التطور الذي حصل على يد زايد إلى الآن شهدنا نتائجه على بلدنا ومجتمعنا، والآن في أبنائنا.

ننظر للماضي عندما كنا قرية صغيرة نعيش على الموارد البحرية ولم يكن عندنا مرافق حيوية ولا مدارس وانظر الآن للتغيرات التي طرأت علينا، نحن كجيل تربينا ونشأنا مع تسلم المغفور له الشيخ زايد مقاليد الحكم والآن نرى أبناءنا وطريقة تعليمهم ونشأتهم، هذه خطوات قطعها غيرنا في مئات السنين بينما نحن قطعنا هذا في جيل وحديثنا عن زايد وأبوظبي لا ينتهي.

الاحتفاظ بالتراث

أنا احتفظ بالأدوات الكهربائية القديمة المشغلة في كل أنحاء العالم عدا أبوظبي، فمازال عندي القرامافون القديم والتلفون، والتلفونات لم تدخل كل بيوتنا إلا العام 1965 والسيارات كذلك المستعملة في أبوظبي من مخلفات الحرب العالمية او سيارات الدفع الرباعي لاندروفر واحتفظت بالسيارات كلها لأرى التطور.

الاتحاد

كنا ننظر للاتحاد على أنه حلم غير قابل للتحقيق ونتمناه ولكنه بعيد المدى، الاتحاد كان حلماً وكان أملنا ان يكون كيانا واحدا للإمارات المتصالحة والتي تجمع كل الإمارات تحت إدارة واحدة اقتصادية، وأن يكون اتحاداً سياسياً واقتصادياً وعلمياً جامعاً لكل الإمارات، لم يكن يدر بخلدنا ان المغفور له الشيخ زايد في ذلك الوقت وخلال جولاته المتكررة لمقابلة شيوخ الإمارات وقطر والبحرين 1968 ـ 1969 انه ينوي لتأسيس هذا الاتحاد ويجسد الحلم واقعا.

لكن بجهود زايد والحكام والمخلصين من أبناء البلد قام اتحاد الإمارات والذي أصبح اليوم أقوى وأطول الاتحادات العربية التي قامت في القرن العشرين، الحق يقال إن السياسة التي وضعها المغفور له الشيخ زايد سياسة حكيمة قربت ليس فقط وجهات النظر بين الحكام بل قربت شعوب الإمارات من بعضهم البعض لدرجة أن زايد من شدة إيمانه بالاتحاد تعهد أن يصرف عليه من ميزانية أبوظبي.

فهو لم يبخل في الصرف إذا كان يحقق الهدف وهو الاتحاد، الترابط والتآلف بين شعوب الإمارات، وبالنسبة لزايد، المال وسيلة لتحقيق أهدافه وليس غاية لدرجة أنه كان يصرف دخل الإمارة من النفط وزيادة حتى يرضي شعبه وينفذ مخططاته العمرانية ويساعد الدول الصديقة القريبة منها والبعيدة.

ولأول مرة أبوظبي تقوم بالاستدانة من البنوك الدولية العام 1973 عندما قامت حرب أكتوبر وكانت هناك حاجة لإمداد إخواننا العرب بالمساعدة، فحكومة أبوظبي قامت بالاستدانة لتوفير المساعدة لأن سياسة زايد، المال لخدمة المواطن، المال لخدمة البلد، المال لخدمة الأمة، وليس للجمع والاستثمار.

زايد أنشأ التجارة في أبوظبي

بدأت تجارة أهل أبوظبي بتشجيع من زايد، والبعض ساعده مادياً لعمل تجارة ومنهم والدي أعطاه وقاله له أذهب وأعمل تجارة تسهم في بناء البلد، وسن قانون كل شركة أجنبية تقوم بتنفيذ أي عمل في أبوظبي لابد أن يكون معها شريك مواطن أو كفيل مواطن، وليس للمراقبة بل يستفيد المواطن من الشركات التي تقوم بتنفيذ أعمال إنشائية في بلده وكان هذا مصدر دخل لمواطني الإمارة ولولا هذا التشجيع والتدخل من الحاكم في المؤسسات المحلية لما كان هناك مؤسسات خاصة.

ومواطنو أبوظبي أول جيل في التجارة، فكل التجار بدأوا من الستينات فلم يكن عندهم رأسمال أو إمكانيات الاستلاف من البنوك ولا الاتصال مع الشركات الأجنبية.

فكان زايد يوجههم ويساعدهم لدرجة أن حكومة أبوظبي تفرض على مؤسساتها أنه لا يتم الشراء إلا عن طريق شركة مواطنة تقوم بالتعاون مع الشركات الأجنبية لكن الواجهة شركة مواطنة، والقصد استفادة المواطنين من خلال احتكاكهم إدارياً ومعرفياً ويكونون بعدها مستقلين عن الحكومة والمساعدات الحكومية.

بعد حوالي 15 سنة من الدعم المادي المستمر أصبح عندنا شركات مستقلة تفتح آفاقاً لنفسها في مجالات كثيرة والبداية على يد المغفور له الشيخ زايد.

تطبيق النظري على العملي

سافرت إلى أميركا ودخلت في دورات إدارية كثيرة وكنت أطبق ما أتعلمه في الخارج على مؤسساتنا بدأنا في محل تجاري عام لقطع الغيار والأثاث والسيارات والمعدات الزراعية، وعندما تسلمت العمل طورته وأسست شركات تقوم بهذا العمل، شركة سيارات، شركة كهربائيات، شركة أثاث، شركة معدات زراعية، وشركات سياحية وهذه الشركات تقوم بالأعمال التنفيذية والخدمية المطلوبة منها.

الادارة فن

الأسلوب الذي استخدمته طول 31 عاماً من الإدارة كان غير هرمي ويعتمد على الإدارة الجماعية والأفقية عندما يأتي المدير أعطيه كافة الصلاحيات لتنفيذ أعماله وكما نقول «نوكله ونوكل الله عليه» وهذه طريقة إيجابية أفضل منها لو كانت هرمية وكل شيء بيدي.

عملت في عدة بنوك ومجالس إدارات وشاركت بالكثير من المبادلات التمويلية والإدارات والتمويل لمؤسسات ومشاريع كثيرة.

عمل البنوك رتيب وغير مجز ولكنه يحتاج إلى جد وفهم في إدارات المؤسسات والأشخاص الذين يتعاملون معهم وأكبر عمل هو المحافظة على سرية المتعاملين.

وعندما أكون في مجلس إدارة بنك وتتقدم إحدى الشركات المنافسة لشركاتي للحصول على تمويل لا أنظر إلى هذه الشركة أنها منافسة بل كشركة لها إمكانياتها وقدرتها على التعامل مع البنوك، ونقوم بتمويلها رغم معرفتي أن هذا التمويل سوف يضرني كتاجر، ولكن هذا خارج عن عملي كوني عضو مجلس إدارة بنك.

قرار التنحي

أنا كما أسلفت اكبر إخواني، وهم كانوا في الدراسة سواء في أبوظبي أو الخارج مع مرور الوقت وبعد وفاة الوالد استلمت رئاسة مجلس الإدارة وأصبح واحد من إخوتي نائبا لي، وعملت في الشركة ما يعادل 31 عاما بعد ذلك وبعد أن كبر إخواني وصاروا قادرين على إدارة الشركة طلبت منهم إعفائي من رئاسة مجلس الإدارة لكي أتفرغ لأولادي وعائلتي الذين قصرت معهم نتيجة مسؤولياتي، وسفرياتي الكثيرة أو لتمثيلي للدولة في المؤتمرات الخارجية.

أسافر كثيرا وأنشغل عند رجوعي في أمور الشركة، لذلك كان لزاما أن أتفرغ للعائلة وثانيا من الناحية الصحية تعبت، ارتأيت أن أتنحى عن رئاسة المجلس ويتولى المنصب أحد إخواني وبقيت رئيسا فخريا أحضر الاجتماعات.

أما العمل اليومي لا أتدخل فيه، وعندي بعض الأعمال البسيطة التي تشغل فراغي، وأقضي غالب الوقت مع الشيوخ والمناسبات وأداوم على متابعة دراسة أبنائي وبناتي.

عمل الخير

نحن كمؤسسة خصصنا مبلغا سنويا للمساهمة في عمل الخير، وفتحنا مكتبا لتوزيع الصدقات والزكاة لتصل للمحتاج مباشرة. وأشكر مؤسسة الهلال الأحمر على عملها الدؤوب وتفانيها في إيصال المساعدات لمن يستحقها. استطعت مع والدي أن نشكل هذه المؤسسة بأن يكون هو رئيس مجلس الإدارة وأنا المدير التنفيذي ونائباً له.

رسالة إلى أبنائي

جيلنا تربى في وقت صعب كدحنا وتعبنا في حياتنا، حاولت أن أعلم أولادي بأن المال والإمكانيات المتوفرة عندهم لا تبعدهم عن إنسانيتهم وعلاقتهم بأسرتهم ولا تبعدهم عن وطنهم، ولابد عليهم أن يعملوا كما عملنا وأكثر.

تنشر «البيان» حوارات أجراها تلفزيون دبي مع نخبة من الشخصيات المتميزة في مجالات متنوعة على الصعيدين المحلي والخليجي في برنامج بعنوان:

«وجوه عربية»

ـ إعداد وانتاج : ختام البيطار

ـ إخراج :حسين بن حيدر

أعدها للنشر - عبد المنعم الشديدي