تشتهر مقاهي مدن شمال المغرب، قبل ميلاد الفضائيات، بأجهزة تلفزيوناتها التي تلتقط القنوات الاسبانية، بحكم قرب المنطقة من اسبانيا، وبالتالي شكلت هذه المقاهي مكاناً لتجمع المولعين بكرة القدم والمسلسلات الأسبانية، في ظرف لم تكن التلفزيونات قد غزت سائر البيوت. وأصيلة، لا تختلف عن مدن الشمال في هذا المجال، حيث تنتشر فيها عشرات المقاهي، التي تختلف في حجومها وخدماتها، وأبرزها: الزريرق، التي خصها الكاتب عمران المليح بمقالات متعددة، والبوغاز.
ورشيد، وغرناطة، والنرجس، واللوتس، والصقلي، والسمفونية، ومراكش ومكناس حيث يحتشد فيها جمهور واسع، وأغلبه يهتم بالثقافة وبالفعاليات التي يقدمها موسم أصيلة. وتنتقل أصداء الندوات الفكرية والأدبية إلى هذه المقاهي، وتتحول إلى مدار دردشاتهم وأحاديثهم وحواراتهم، ولا يمكن أن تبقى حبيسة لجدران مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية حيث تقام الندوات. وحتى هذا المركز ملحق بمقهى، للاسترخاء والراحة بعد انتهاء الندوات أو في وسطها وقبل انتهائها.
وفي مقهى المركز، يجلس المفكرون والكتاب العرب بعد أن يتعبوا من حدة النقاشات داخل أروقته، ليستكملوا أحاديثهم هنا في هذا المكان المفتوح، يتناولون كؤوس الشاي الأخضر المحلى بالنعناع، ويسترخون على المقاعد، وهم يتداولون شؤون الثقافة، ويتبادلون الكتب والعناوين، ويقترحون مشاريع ندوات تصلح للسنوات المقبلة، ومنهم من يأسف لأنه مرتبط بمواعيد ولا يتمكن من استكمال حضور الندوات والفعاليات القادمة.
في مقهى الزريرق، أو مقهى الصيادين، يسأل أحد الزبائن زميله الجالس بجواره: ما ندوة اليوم؟ يجيبه: إنها حول رحيل المفكر المغربي محمد عابد الجابري، الذي ترك بصماته الفكرية على جيل كامل من الفلاسفة والمفكرين الجدد في المغرب وفي العالمين العربي والإسلامي، وها هي مدينة أصيلة تحتفي بهذا المفكر، وتستعيد ذكراه، وتعمل على إعادة قراءة أعماله.
وأصيلة أيضاً، لا تهمل الكتّاب العرب، فهي تكرّم الكاتب السوري حنا مينا، من خلال منحه جائزة محمد زفزاف للرواية العربية. وروائي البحر ليس غريباً عن أصيلة، فقد زارها منذ سنوات وتركت في نفسه أثراً طيباً. ويقول آخر في مقهى غرناطة: أعجبني كثيراً الفيلم الوثائقي القصير الذي عرض عنه والذي أنتجته أصيلة عنه. ويجيبه آخر: ولكن لماذا تم اختيار حنا مينة بالذات؟
يقول آخر، وهو يتناول كأساً من الشاي المغربي ألأخضر: يكفي أن حنا مينة كتب ما يقارب الأربعين رواية، وموضوعاته تدور حول البحر، وعوالم البحر والبحارة ليست غريبة عن مدينة أصيلة. ويجيبه آخر: أصيلة منحته جائزتها للرواية لأنه لا يقل أهمية عن نجيب محفوظ في الانتشار والتأثير في القراء العرب.
وهكذا يستعيد الجمهور موضوعات الندوات ومعظمهم يشارك فيها لأن مركز الملتقيات مفتوح للجميع، من أبناء أصيلة وزوارها الذين يتكاثرون من جميع أنحاء مدن المغرب. إنهم يستعيدون موضوعات الندوات السابقة أيضاً. فيقول أحد زبائن مقهى اللوتس: لا تزال ندوة حوار الثقافات العربية تتردد أصداؤها بعد انتهاء مناقشاتها منذ أيام.
يقول آخر: لماذا في نظرك؟ يجيبه زبون آخر: لأن الثقافة العربية تجابه تحديات كبيرة في الوقت الراهن. ويقول آخر: هل تعتقد أن ثقافة الأقليات تشكل تحدياً لثقافتنا؟ يجيبه آخر: لا أعتقد أن ثقافة الأمم الكبيرة مثل الثقافة العربية الممتلئة بأكبر الإبداعات العملية والأدبية والفكرية لا تخشى ثقافة الأقليات بل هي تحتويها، وتتفاعل معها، وتتفهمها، وتعيش في صفاء معها. قبل أن يغادر، يسأل زميله: ما ندوة يوم غد؟
يجيبه: لا تفوت فرصة حضور هذه الندوة المهمة، إنها حول الفن المعاصر في ضوء الأزمة المالية الحالية.
أصيلة - شاكر نوري
