مستقبل واعد لاستخلاص الطاقة من الكائنات المائية

مليارات الدولارات لاستثمار طاقة الطحالب

زبد برك المياه أو المستنقعات، تعبير لا يكاد يخلو منه أي تقرير أخباري عن الجهود المتواصلة منذ عقد من الزمن لاستخلاص الطاقة من الطحالب. لكن يبدو أن العالم سينظر إلى تلك الكائنات الدقيقة بقدر أكبر من الاحترام قريباً، مع اتجاه الحكومات والمؤسسات الصناعية لضخ مليارات الدولارات على أبحاث ودراسات استثمار طاقة الطحالب.

وعندما يعرف المرء أبسط الحقائق العلمية عن هذه الكائنات، لن يجد هذه الاستثمارات منطقية فحسب، بل وسيستغرب حتى لماذا انتظرت حضاراتنا إلى الآن لاستخلاص طاقتها من الطحالب. فهذه الكائنات أحادية الخلية، التي تعيش مغمورة بالمياه تنتج نصف أكسجين كوكبنا وتعتبر النوع الأسرع نمواً من بين جميع الكائنات الخضراء المعروفة.

وفي برك مياه البحر الضحلة المتجمعة على اليابسة، يمكن للطحالب استخدام ضوء الشمس ومياه الصرف الصحي لتحويل ثاني أكسيد الكربون المركز ؟ غاز المداخن الناتج عن احتراق الفحم ؟ إلى هيدروكربونات صالحة للاستعمال، يمكن صب نصفها تقريباً مباشرة في خزان وقود محرك الديزل.

ويقول جريج ميتشل، من معهد كريبس لعلوم المحيطات بولاية كاليفورينا ان «عشرة ملايين هكتار من الطحالب يمكن أن توفر كامل احتياجات قطاع النقل الأميركي من الوقود.» وتمثل هذه المساحة 3 بالمئة فقط من المساحة المزروعة في الولايات المتحدة، ناهيك عن أن الطحالب تستطيع العيش في مياه البحر، وفي الصحراء.

وحتى وقت قريب كان هذا الطرح يبدو أقرب إلى الخيال أو التمني منه إلى الواقع. فبعد أزمة الوقود في السبعينيات من القرن الماضي، أطلقت الولايات المتحدة «برنامج الأحياء المائية» للتحري عن الطحالب. وقام البرنامج ببناء 1000 متر مربع من برك المياه في روزويل بولاية نيومكسيكو، ووجد العديد من سلالات الطحالب الواعدة. لكنه خلص في 1996 إلى القول إن الديزل المستخلص من الطحالب سيكلف ضعف تكلفة الديزل المستخرج من النفط، حسب أسعار النفط في ذلك الوقت.

وهكذا انتهى البرنامج وتحول الاهتمام إلى استخلاص الميثانول الحيوي من نبات الذرة. لكن سرعان ما تراجع الاهتمام بهذه المساعي أيضاً لأنها تتناقض مع حاجتنا المتزايدة للأرض الزراعية كمصدر للغذاء.

ثم عاد الاهتمام مجدداً إلى الطحالب. والسنة الماضية خصصت شركة النفط العملاقة «إكسون موبيل» 600 مليون دولار لتطوير أصناف وقود طحلبية بالتعاون مع كريج فينتر، العالم الرائد في مجال الجينوم. ومنذ ذلك الحين بدأت تنطلق مشاريع مشابهة بأعداد متزايدة. ويقدر جون بينمان، رئيس برنامج الأحياء المائية السابق بأنه سيتم ضخ نحو ملياري دولار في مشاريع استخلاص الطاقة من الطحالب بين 2009 و2011.

وتعتقد «إكسون موبيل» انه سيكون بإمكانها بيع الديزل الطحلبي من خلال مصافيها ومحطات بترولها الحالية. والشهر الماضي حلقت أول طائرة بمحرك نفاث يعمل على الوقود الطحلبي في معرض جوي في العاصمة الألمانية برلين.

ويمكن للطحالب إنتاج عشرة أضعاف كمية الطاقة لكل هكتار بالمقارنة مع ما تنتجه النباتات المزروعة في التربة، كما يقول مارك هيلدبراند من معهد سكريبس، وذلك لأن الطحالب «تطفو في الماء ولا تضطر لإنفاق نصف طاقتها على بناء سويقات تتعلق بها، بل تقوم بدلاً من ذلك بصنع المزيد من الخلايا التي تستخلص من المواد المغذية كالنتروجين. عندئذ تتوقف عن الانقسام، لكنها تستمر في عملية التركيب الضوئي، مخزنة الناتج على شكل قطرة زيت يمكن ان تستهلك في النهاية أكثر من نصف حجم الخلية.

ويمكن لتفاعل كيميائي بسيط واحد أن يحول هذا الزيت إلى وقود ديزل يطلق كميات أقل من ملوثات ثاني أكسيد الكبريت وأكسيد النتروجين بالمقارنة مع الديزل المستخلص من البترول.

ويمكن أيضاً حرق ما تبقى من الكتلة البيولوجية للطحالب كنوع ثاني من الوقود، لكن ربما من الأجدى استخدامها كعلف للحيوانات، خاصة للأسماك. وهذا يعني بطبيعة تقليص الأضرار البيئية وخفض الطلب على مزارع السمك والتربة والمياه اللازمة لاستزراع غذاء الأسماك.

لكن في المقابل هناك مشكلات خاصة بالطحالب، منها أنها لا تنمو، وتصنع الزيت في الوقت نفسه، مما يعيق عملية الإنتاج الصناعي. ويمكن جعل الطحالب تنمو إلى أن تستهلك كل كميات النتروجين الموجودة في الماء. وعندئذ تتوقف عن التكاثر، لكن قبل أن تتحول إلى صنع الزيت، تقوم بالتهام بروتيناتها بحثاً عن أية كميات احتياطية من النتروجين. ثم تبدأ بعد ذلك بصنع الزيت، لكن بآلية تركيب ضوئي مختلفة وأقل إنتاجية.

غير ان هناك سلالة معينة من هذه الكائنات، وهي الدياتوم، تصنع جدران خلاياها من السيليكا وتبدأ بإنتاج الزيت فور نفاذ هذه المادة. وهكذا يمكنها إنتاج الزيت بدون أن تؤذي نفسها.

إعداد: علي محمد

تعليقات

تعليقات