اهتم العرب بالنسب اهتمامهم بحياتهم؛ لأنه يعدّ بمثابة الاسم من الجسد، وأنّ أول ما يتعرف عليه الإنسان هو انتسابه إلى أبويه، ومن ثم تكبر دائرة النسب مع العائلة والعشيرة.
وقد عدّ العرب معرفة الأنساب سبباً في التعارف فيما بينهم. ومن الملاحظ أنّ الفرد العربي في فترة ما قبل الإسلام يعتز اعتزازاً كبيراً بانتسابه إلى قبيلته، ويعدّ حياته ومصلحته مرتبطة بشكل مباشر بالقبيلة ومصالحها. ونشاهد هذا الارتباط المباشر بشكله الواضح عند البدو ولا نشاهده بهذا الوضوح عند أهل الحضر. ومردّ هذا الاختلاف هو وجود السلطة في المدينة واستقرار الأمن، كما أنّ امتزاج أفرادها واختلاطهم أكثر في البوادي والأرياف، فضلاً عن قرب هذه المناطق من بلاد الأعاجم، وقد أضعف وشائج الارتباط في الدم والنسب.
عرب العراق... هذا ولمُ يبحث موضوع أخذ «ابن الكلبي» من بيع الحرة [بيع: جمع بيعة وهي الكنيسة] حتى الآن برأينا بحثاَ علمياً مركزاً. وهو موضوع أرى أنه جدير بالدراسة والعناية. وحري بأن يقارن ما ذكره «ابن الكلبي» بما جاء في الموارد النصرانية عن «آل نصر»، لنرى مقدار الصحة من الخطأ في فهم «ابن الكلبي» لتلك الموارد الني ذكر أنه قرأها وانه استعان بها في جمع تأريخ عرب العراق قبل الإسلام.
ولم يبق من القائمة الطويلة التي ضمنها «ابن النديم» مؤلفات ابن الكلبي غير قليل. وهي في المآثر والبيوتات والمنافرات والمؤودات وأخبار الأوائل وفيما قارب الإسلام من أمر الجاهلية، وفي أخبار الشعوب وأيام العرب، والأخبار والأسماء والأنساب. (5) أنظر: علي، الدكتور جواد، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 1، منشورات الشريف الرضي، طهران، 1380، ط 1، الفصل الثاني، ص: 87، 88، 89.
قيمة الأنساب
ورب سائل يسأل، ما علاقة الأنساب ومدى معرفتها بالنسبة لراوي الحديث بعلم الحديث نفسه، فان كان ابن الكلبي على سبيل المثال متروكاً، عند علماء الحديث والرجال والجرح والتعديل، فإنه متروك الحديث فما علاقة ذلك بالأنساب، فنقول ان علاقة الحديث وروايته شديدة الصلة بالأنساب، ولولا هذه الصلة القوية لما ألفت فيها كتب التراجم وصنفت فيها المصنفات، ومن المعروف عند علماء الأنساب ان الناس مؤتمنة على أنسابها.
ونذكر هنا مؤلف واحد من تلك المؤلفات التي عنت وشرحت أهمية هذه الصلة بين علم الحديث والأنساب، والمؤلف هو الشيخ الإمام العالم الحافظ أبو بكر محمَّد بن أبي عثمان بن موسى الحازمي وكتابه «عجالة المبتدئ وفضالة المنتهي في النسب» حيث جمع المؤلف في هذا الكتاب، بعد ذكر مقدمة في معرفة اصطلاح النُّسَّاب، الأنساب المتداولة بين أهل الحديث، ورتَّبها على حروف المعجم. وذكر من كل قبيلة نسباً مُتّصلاً أو رجلاً أو رجلين تنبيهاً للمبتدئ، ولم يذكر من الاختلاف والاشتقاق إلاَّ اليسير.
يقول في المقدمة: «وفَّقك الله وإيَّانا للوصول إلى ماهيَّة الأشياء والاطِّلاع على خفايا العلوم، إن الطَّالب للحديث الذي هو منبع الأحكام، وعليه تبنى دعائم الإسلام، يفتقر إلى معرفة علم الحديث إذ هو آلته، وبه يمكن تصحيحه وتثبيته. يقصد النسب - ثمَّ علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تقرب من مائة نوع، منها معرفة أصول الحديث، وكل نوع منها علم مستقل لو أنفد الطالب فيه عُمُرَه لما أدرك نهايته. ولكن المبتدئ يحتاج أن يستطرف من كل نوع، لأنها أصول الحديث، ومتى جهل الطالب الأصول، تعذَّر عليه طريق الوصول.
ومن أصول الحديث معرفة الأنساب، وأهمها معرفة أنساب العرب، فإنها تنتسب إلى القبائل، وهي تفانت، وطريق إدراك معرفتها النَّقل.
العجم والنسب
وأما العجم فإنها لا تكاد تنتسب إلى أب قديم إلاَّ نادراً، والقول مازال للحازمي، وأكثر انتسابها إلى الأمكنة والصّنائع. أمّا الأمكنة فأكثرها مشهورة مدركة بالأخبار المتواترة، غير مفتقرة إلى تجشُّم بحثٍ وتكلُّف سَبْر، إلاَّ أمكنة يسيرة تحتاج إلى استكشاف، إما لبعدها عن حوزة الإسلام وإما لخمول ذكرها نحو القرى والجبال والأودية.
وهذه وإن كانت مفتقرة إلى البحث عنها لخفائها فلا تلحق القبائل في غموضها، فإنها ربما لا تكون مشهورة في غير صُقعها وهي في أصقاعها. وأما القبائل فإنها مفتقرة إلى البحث التَّامّ فإن أكثرها أودت، ومن بقي من نسلها ربَّما تعذَّر عليه التمييز بين آبائه فضلاً عن آباء غيره لقلَّة اكتراثه بضبط أنسابه، فرُبَّ رجل يزعم أنه عدويّ، فلو قيل من أي عديّ لاستصعب عليه علم ذلك. وأمل الصنائع فهي مشهورة شائعة لاشتراكها بين العرب والعجم. وإنَّما ذكرت هذا الفصل ليعلم المبتدئ قدر مأخذ هذا العِلْم.
وقد ألَّف جماعة من الأخباريِّين تواليف جمَّة في هذا العلم وأطنبوا فيها، وذكروا ما يلزم الحديثيّ معرفته وما لا يلزمه، ولو تتبَّع كتبهم لفلت وقته والوقت عزيز.
فجمعت في هذا الكتاب، بعد ذكر مقدمة لا بدَّ منها في معرفة اصطلاح النُّسَّاب، الأنساب المتداولة بين أهل الحديث، ورتَّبتها على حروف المعجم. وربَّما أذكر من كل قبيلة نسباً مُتّصلاً أو رجلاً أو رجلين تنبيهاً للمبتدئ، ولم أذكر من الاختلاف والاشتقاق إلاَّ اليسير، والله مسهِّل العسير».
ويذكر الدكتور مصطفى جواد في كتابه المفصل، ان تاريخ الجاهلية هو أضعف قسم كتبه المؤرخون العرب في تاريخ العرب، يعوزه التحقيق والتدقيق والغربلة. وأكثر ما ذكروه على انه تاريخ هذه الحقبة، هو أساطير، وقصص شعبي، وأخبار أخذت عن أهل الكتاب ولا سيما اليهود، وأشياء وضعها الوضاعون في الإسلام، لمآرب اقتضتها العواطف والمؤثرات الخاصة.
وقد تداول العلماء وغير أصحاب العلم هذه الأخبار على إنها تاريخ الجاهلية حتى القرن التاسع عشر. فلما انتهت إلى المستشرقين، شكّوا في أكثرها، فتناولوها بالنقد. استناداً إلى طرق البحث الحديثة التي دخلت على العلوم النظرية، وتفتحت بذلك آفاق واسعة في عالم التاريخ الجاهلي لم تكن معروفة، ووضعوا الأسس للجادات التي توصل عشاق التاريخ إلى البحث في تاريخ جزيرة العرب.
وكان أهم عمل رائع قام به المستشرقون هو البحث عن الكتابات العربية التي دوّنها العرب قبل الإسلام، وتعليم الناس قراءتها بعد أن جهلوها مدة تنيف على ألف عام. وقد فتحت هذه النصوص باب تاريخ الجاهلية، ومن هذا الباب يجب أن نصل إلى التاريخ الجاهلي الصحيح.
كلفة غالية
لقد كلف البحث عن هذه الكتابات العلماء والسياح، ثمناً غالياً كلفهم حياتهم في بعض الأحيان، ولم يكن من السهل تجول هؤلاء الأوروبيون بأزياء مختلفة في أماكن تغلب عليها الطبيعة الصحراوية للحصول على معلومات عن الخرائب والعاديات والحصول على ما يمكن الحصول عليه من نقوش وكتابات. (6) المفصل، المصدر السابق، الفصل الثاني، ص: 42، 43.
ولهشام ابن السائب الكلبي كتاب الأصنام، وكتاب جمهرة النسب، وكتابه الأخير وهو الأشهر وهو مدار بحثنا هنا جاء برواية محمد ابن حبيب. وابن حبيب وهو الأهم لمن لا يعرفه، غمز مِن قِبل مترجمي الطبقات والسِّيَر، كقولهم إنه ابن ملاعنة، وإنه قليل عِلْم، متّهم بالسرقة الأدبية.
وتهمة السرقة، إن جرى البحث في تاريخها، قلّما يفلت منها مؤرخ أو نسّابة أو أديب؛ ولكن كانت تهمة ابن حبيب شديدة، وهي السرقة الأدبية الشاملة، أي تجاوزت انتحال السطور والروايات إلى انتحال كُتب بأكملها. أُسندت رواية الاتهام إلى محمد بن عمران المرزباني (ت384ه)،
ياقوت الحموي
وكان أوّل مَن دوّنها ياقوت الحموي في معجم الأدباء. غير أنّ كُتب المرزباني: معجم الشعراء، والموشّح، والمقتبس، كانت خالية من مثل هذه الرواية، ومن أي ترجمة لابن حبيب، وقد جاء في صحيفة الاتهام التي صاغها المرزباني: «كان محمد بن حبيب يُغير على كتب الناس، فيدّعيها ويسقط أسماءهم.
فمن ذلك الكتاب الذي ألّفه إسماعيل بن عبيد الله، واسم أبي عبيد الله معاوية، وكنيته هي الغالبة على اسمه، فلم يذكرها لئلاّ يعرف، وابتدأ فساق كتاب الرجل مِن أوّله إلى آخره، فلم يخلطه بغيره، ولم يغيّر منه حرفاً، ولا زاد فيه شيئاً، فلما ختمه أتبع ذلك بذِكْر مَن لُقب من الشعراء ببيت قاله». هذا هو الراوية الذي أخذ منه ابن الكلبي أشهر كتبه «جمهرة النسب».
( 7 ) الخيون، د. رشيد، محمد ابن حبيب.. رحلته في كتابة التاريخ والأنساب، مجلة العرب، عدد الجماديان 1425 هجرية.
ان علم النسب يعد من أصعب العلوم الإنسانية والاجتماعية مسلكاً، وأشدها وعورة، ولعل مما يدل على صعوبة هذا العلم الجليل القدر، هو أن أمة كبيرة كأمتنا العربية لم يطرق باب هذا العلم فيها سوى عشرات قلائل من الرجال، ومن تقصى منهم فقط هم الذين أفلحوا واشتهروا ونالوا أسمى آيات التشريف، وهم يعدّون على الأصابع، ومازالت مخطوطاتهم تطبع أو تحقق حتى الآن رغم مرور مئات السنين على بعضهم، كالإمام ابن حزم وابن خلدون والقلقشندي والسويدي وغيرهم فهم رجالات قلائل.
نسب
ان علم النسب يعد من أصعب العلوم الإنسانية والاجتماعية مسلكاً، وأشدها وعورة، ولعل مما يدل على صعوبة هذا العلم الجليل القدر، هو أن أمة كبيرة كأمتنا العربية لم يطرق باب هذا العلم فيها سوى عشرات قلائل من الرجال، ومن تقصى منهم فقط هم الذين أفلحوا واشتهروا ونالوا أسمى آيات التشريف
يكتبها ـ عمار السنجري
صفحة أسبوعية تعنى بالتراث والتاريخ المحلي، تستجلي آفاق الحوار الحضاري مع جذور الآخر من خلال العناية بما قدمته مدارس الاستشراق في ميدان الثقافة العربية الإسلامية.



