منذ 7 سنوات، اختفت مراهقة لبنانية كانت تقيم مع عائلتها في مدينة مالمو الشهيرة بمرفئها الكبير في السويد، ولم يظهر لها أي أثر طوال 11 شهراً، وقد نشطت شرطة المدينة خلالها بحثاً عنها، وسط قلق عميق أنهك أعصاب عائلتها، حتى عثروا على رأسها مقطوعاً بمنشار، ومرمياً بين أشجار غابة تبعد 15 كيلومترا عن البيت.

بقي الرأس منذ أواخر 2003 في عهدة الشرطة والهيئات القضائية، ومدفوناً في موضع حتى استكمال التحقيق، إلى أن اتصلت الشرطة، أخيرا، بوالديها، محمد العجوز ووالدتها غادة العانوتي، لتخبرهما بأنها قامت بكافة التحريات والتحقيقات طوال تلك المدة، ولم تعثر على ما يكشف عن قاتليها، لذلك قررت إقفال الملف.

ثم طلبت منهما الاستعداد هذا الأسبوع لتسلم رأس ابنتهما مروة، والتي قضت بعز الشباب، فبالكاد كان عمرها 18 سنة.

ووصف الأب المكلوم ابنته بأنها كانت جميلة وواعدة وتجيد 4 لغات، وتبشر بالخير الكثير للأسرة، لكنها قضت بجريمة غامضة ومن أبشع ما يكون في بلاد لم تعرف في تاريخها الحديث هذا النوع الوحشي من القتل والانتقام، إلا ربما في زمن «الفايكينغ» المغامرين في البحار.

عاشت في بيروت وخطبها 6 شبان

روى محمد ما حدث، فقال إن ابنته غادرت مالمو في أوائل عام 2002 لتقيم مع أقارب لها في بيروت، وهناك تقدم لخطبتها 6 شبان بالتتابع، واحداً تلو الآخر، حتى استقرت آخر خطبة لها بعض الشيء، فتزوجت من شاب متخصص بالكمبيوتر. لكن الزواج استمر لشهرين فقط، عادت بعدهما حزينة إلى مالمو «فوكل الأب شقيقه في بيروت وطلقها من زوجها.

ثم أرادت السكن بمفردها، على عادة بنات السويد حين تبلغ الواحدة منهن 18 سنة من عمرها، فاستأجر لها شقة قرب البيت وأقامت فيها مع صديقات من عمرها تقريباً.

وتمضي رواية محمد، المشرف في بلدية مالمو عن ملاعب كرة القدم وصيانتها، فيذكر أن مروة «دخلت في شجار إحدى المرات مع زمرة شبان في مقهى بالمدينة. وبعد أسبوع، وكان ذلك في 20 ديسمبر من ذلك العام، اختفت تماماً.

ومضت أيام وأسابيع وشهور، كان الجميع يظن خلالها مثل الشرطة أن لاختفائها علاقة بزواجها الفاشل في بيروت، إلى أن عثروا على رأسها مفصولاً عن جسدها بين الأشجار، ومذبوحاً بشراسة بمنشار يستخدمه النجار عادة للأخشاب الكبيرة.

لكن الجثة لم تكن قرب الرأس. وذكر محمد أنه اكتشف بعدئذ مؤشرات أوضحت له هوية قاتليها، وكانوا من تشاجروا معها في المقهى الليلي «وهم 4 أو 5 شبان يتعاطون المخدرات، وعلمت بأنها كانت ملمة ببعض أسرارهم، لذلك خطفوها وطعنوها بالسكاكين في مكان ما، ثم نقلوها منه إلى الغابة، وفصلوا رأسها هناك عن جسدها ورموه كيف ما كان.

أما الجثة فيعتقد الأب أنهم دفنوها في مكان آخر، وقال: «حين أبلغت الشرطة عنهم اعتقلت أحدهم، ثم سعت وراء الآخرين، لكن الجميع خرجوا أبرياء بعد التحقيق معهم لعدم توفر الأدلة ضدهم، ثم بقينا ننتظر أي جديد لمدة 7 سنوات ولكن بلا نتيجة، حتى طرأ جديد قبل أسبوع».

والجديد هو اتصال دائرة الشرطة بمحمد بشكل مفاجئ، حيث أخبروه بعد أن أسرع وزارهم بأنهم قرروا تسليمه رأس ابنته المقطوع، وطلبوا منه ومن زوجته توقيع بعض الأوراق والمستندات الضرورية، قبل أن يتسلمه، ثم عرضوا عليه صورتين حديثتين للرأس لينينظر فيهما، ربما لتحضيره نفسياً ومسبقاً بحيث لا ينهار بصدمة حاسمة حين يرى نفسه أمام أهم جزء من جثة ابنته بعد 7 سنوات من مقتلها.

وقال محمد إنه تأمل في الصورتين ورأى أن الرأس أصبح جمجمة فيها بعض الخصلات من شعر ابنته، فبكى واعتصر بحزن تكرر فيه من جديد. وقال إنه يعد الساعات الآن ليستعيد الرأس «لأنه يريد إقامة صلاة الجنازة عليها بمسجد مالمو، ثم دفنها في المقبرة الإسلامية»، وهي الوحيدة في المدينة التي يعيش فيها 50 لبنانياً من المهاجرين مثله على الأكثر.

أما الجثة فيعتقد الأب محمد بأن قاتلي مروة أخفوها في مكان يصعب العثور عليها لأن الشرطة بحثت ولم تجدها طوال كل هذه المدة الطويلة. لكن تسليم الرأس بعد 7 سنوات هو أمر نادر في عالم الجريمة والتحقيقات، وأثار استغراب وشهية وسائل الإعلام السويدية ثانية، فتصدرت قصة مروة الصفحات الأولى ومقدمة النشرات التلفزيونية مجدداً.

أما الأب فيقول برغم مرور الوقت الطويل على أبشع جريمة عرفتها المدينة: «ما زلت أشعر بإحساس ينتابني في بعض الأحيان بأنها ما زالت حية ولم تمت، لذلك سأطلب إجراء فحص للحمض النووي على الرأس قبل دفنه».

واعترف محمد، البالغ من العمر 51 سنة، أن حبه اللامحدود لابنته كان يدفعه للمبالغة بتدليلها أكثر مما ينبغي، إلى درجة أنه سمح لها بالعيش على طريقة السويديين، أي حرة تقريباً من أي قيود.

ويضيف «لأني كنت أريد زرع الثقة فيها، لذلك كانت قوية الشخصية. ولا أعرف إذا أخطأت أو إذا كنت نادماً، لكني نادم على مغادرة بيروت، ومشتاق إلى حينا وأهله وتقاليده، ويا ليتني أمتلك العزم الكافي لأعود إليه من دون رجعة».

ذلك الحي، وهو حي «القصّار» الواقع بين منطقة عائشة بكار وشارع فردان الشهير في رأس بيروت، حيث كان محمد يقيم ويعمل في محل للمجوهرات يملكه خاله قبل الهجرة إلى السويد منذ 27 سنة، وهو الحي الذي ولد فيه أيضاً، وكان محمد وعائلته، وكذلك عائلة زوجته.

عمر حرزالله