ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز الأسبوع الماضي أن شبكة (بي.سكاي.بي) التلفزيونية البريطانية تتفاوض مع مستثمر خاص في أبوظبي على إطلاق خدمة عربية على مدار الساعة تتخذ من عاصمة الإمارات مقراً لها.

وتطرح هذه المعلومات التي تناقلتها وكالات الأنباء على الفور أسئلة كثيرة عن الشريك الذي اختارته القناة الأوسع انتشاراً في بريطانيا، والتي يملك امبراطور الإعلام روبرت مردوخ نسبة تتجاوز الثلث فيها، لكي يقوم بتعريب فكرها ونقله إلى المشاهد الذي بات موزعا بين روسيا وكوريا والصين وألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول التي ما فتئت تتحدث إليه بلغة الضاد في السنوات القليلة الماضية.ونقلت الصحيفة عن مصادر قريبة من المفاوضات أنه في حال التوصل إلى اتفاق ستبدأ القناة التلفزيونية البث خلال عامين، وستحمل اسم (سكاي.نيوز). وقالت إن هذا سيكون أول مشروع تنفذه الشبكة البريطانية في الخارج.

ونقلت عن اثنين مطلعين على الأمر أن ملكية القناة التلفزيونية الفضائية الجديدة ستكون مناصفةو وأنه لن يكون لها علاقة بحكومة أبوظبي. ولم يتسن على الفور الوصول إلى الشبكة التلفزيونية البريطانية للتعليق.

ولم يتسن ل« البيان» الحصول على معلومات ما إذا كانت «شركة أبوظبي للإعلام» هي المقصودة بالخبر، رغم أن معلومات ال«فايننشال تايمز» تشير إلى شريك إماراتي خاص، وليس حكومياً.

وفي كل الأحوال، فإن دخول لاعب عالمي جديد في عالم الإعلام إلى المنطقة العربية من البوابة الإماراتية، إنما هو دلالة على حجم الثقة التي توليها كبرى الشركات الإعلامية إلى هذا السوق وقدراته وفعاليته في محيطه، وهي الثقة التي استقطبت خلال الشهور الماضية «بي بي سي» و«سي إن إن» و«ناشونال جيوغرافيك»، لكي تكرس وجودها العربي في الإمارات.

وتشير بعض التحليلات إلى أن (بي.سكاي.بي) تسعى إلى تقوية حضورها خارج السوق البريطاني لدعم سلطة ابن مردوخ جيمس الذي يتولى إدارتها، وخططه الرامية إلى التوسع وإظهار قوته خارج جلباب أبيه. ولكن ليس من الواضح بعد ما إذا كان مردوخ الابن هو من يقود فعلاً المفاوضات للتوسع خارجاً، أم هو التحالف الذي يمتلك نحو الثلثين الباقيين من المحطة.

لكن هذه المفاوضات المهمة تأتي في ظل ظروف وتطورات كثيرة تشهدها شبكة سكاي في الداخل البريطاني، تتعلق بالمنافسة مع محطات مثل «بي بي سي»، والاتحاد الاوروبي، تتعلق بقوانين الاندماج ومنافسة الاحتكار، وصولاً إلى الأزمة التي تمر بها ايرادات الصحف التي يملكها مردوخ في بريطانيا، والتي تجعله راغباً في تعويضها من خلال تحقيق أرباح أكبر عبر شبكة سكاي.

«سكاي» و«بي بي سي» وجهاً لوجه!

على الرغم من أن شركة «نيوز كوربوريشن» المملوكة من مرودخ تملك 1,39 في المئة من أسهم تلفزيون «سكاي»، فإن إمبراطور الإعلام ، قدم عرضاً أمس لشراء كامل حصص الشركة مقابل 12 مليار جنيه استرليني.

إلا أن العرض رفض من الشركة التي تأمل أن تبيع أسهمها بمبلغ أكبر. ولكن مع ذلك، فإن المراقبين يتوقعون أن تتم الصفقة عاجلاً أم آجلًا، خصوصاً أن شركة «سكاي» البريطانية أكدت التزامها باستكمال مفاوضات البيع. وقد أسس مردوخ نفسه «سكاي» قبل 20 عاماً، ويترأس مجلس إدارتها حالياً ابنه جيمس.

ولكن سيطرة امبراطورية مردوخ على ساحة الإعلام المكتوب في بريطانيا، قد تعرقل خططه نحو التوسع في الإعلام المرئي. فشركة «نيوز كوربوريشن» تملك مجموعة من الصحف البريطانية اليومية، بينها صحيفة ال«صن» الشعبية الأكثر مبيعا في البلاد، والتي تبيع يومياً أكثر من 3 ملايين نسخة، وصحيفة ال«تايمز»، إضافة إلى صحيفة «نيوز أوف ذو وورلد» الشعبية.

وتتخوف هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» ، إنه في حال تمكن مردوخ من شراء «سكاي»، فإنه سيصبح مسيطرا بشكل كامل على الساحة الإعلامية في بريطانيا، وأن ذلك من دون شك سيدفع الصحف ووسائل الإعلام الأخرى المنافسة إلى الاعتراض، بسبب قلقهم من احتكار مردوخ للساحة الإعلانية حتى أكثر من اليوم.

ولكن قبل أن يتمكن مردوخ من إتمام صفقته مع «سكاي»، عليه أولا أن يتجاوز العراقيل التي تضعها أمامه الحكومة البريطانية التي يمكن أن تتحرك بناء على قوانين منع الاحتكار، أو الاتحاد الأوروبي.

ولكن الحكومة البريطانية ستكون أيضا أمام اختبار هنا، بسبب انقسام طرفي الائتلاف فيها حول نظرتهم لإمبراطورية مردوخ. فحزب المحافظين الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة ديفيد كاميرون، استفاد كثيرا من الدعم الإعلامي الذي قدمته له صحف مردوخ خلال الحملة الانتخابية. ولكن في المقابل، فإن حزب الليبراليين الديمقراطيين الذي يشكل العنصر الثاني الأساسي في الحكومة، لطالما انتقد بشدة مردوخ وإمبراطوريته الإعلامية. ويسعى مردوخ لشراء «سكاي» بهدف تحقيق أرباح مالية أكثر، خصوصا أن صحيفة ال«تايمز» لا تدرّ عليه أرباحا كثيرة.

ويقول مراقبون إن «نيوز كوروبوريشن» لديها الكثير من السيولة غير المستثمرة في الوقت الحالي، وهي تسعى لاستثمارها في مجال يدر عليها الأرباح. ويقول تيم لوكهورست، البروفسور في الصحافة في جامعة كانت: «لو كنت روبرت مردوخ كنت لأنظر إلى الخسائر الكبيرة في بعض الصحف التي أملكها، والأرباح الهائلة التي تحققها لي وسائل الإعلام المرئية التي أملكها».

ويقول لوكهورست إن صحيفة ال«تايمز» تخسر يوميا بحدود ال240 ألف جنيه إسترليني، بينما حققت «سكاي» أرباحا تقدر ب707 ملايين جنيه في الأشهر التسعة قبل مارس ، مقارنة ب339 مليون جنيه إسترليني في الفترة نفسها العام الماضي. ويضيف لوكهورست: «(الصن) لا تزال تدخل مردودا كبيرا ولكن (التايمز) مثل معظم الصحف تخسر».

الأب يدلل ابنه

يرى بعض المحللون أن رغبة مردوخ في الحصول على الحصة الكاملة في سكاي هي اعتراف بإعجابه بالمهارات الإدارية لابنه الأصغر جيمس، ورغبة من الأب بدعم ابنه. وتعتبر كلير إنديرز، مؤسسة إندريز انليسيس، هذه الخطوة لوضع شركة BSkyB بالكامل تحت قيادته بوصفها «دعم روبرت مردوخ لقيادة ابنه».

وكان أحد الأسباب التي دفعته لبناء قاعدة سلطته في لندن لتجنب مصير شقيقه الأكبر، لاكلان، الذي كان «ولي العهد» إلى أن اختلف عام 2005 مع كبار التنفيذيين في مقر «نيوز كورب» في الولايات المتحدة.

إلا أن المقربين من العائلة لا يزالون يتوقعون أن يظل لاكلان، الذي يتصيد الاستثمارات الإعلامية في سيدني، وشقيقتهما إليزابيث، التي بنت شركة شاين لتصبح قوة عبر الأطلسي في الإنتاج التلفزيوني، شخصيتين بارزتين في مستقبل «نيوز كورب».

ولطالما قيل إن جيمس مردوخ، المولود في لندن عام 1972 والذي تلقى تعليمه في نيويورك، تعلم العمل في الإعلام من خلال الأحاديث التي كان يسمعها تجري على مائدة العشاء مع والده.

وحين أصبح كبير التنفيذيين لشركة BSky عام 2003، كان يبلغ من العمر 31 عاماً، وكانت سيرته الذاتية قصيرة تتضمن فترة عمل فيها رساماً كاريكاتورياً في مجلة هارفارد الساخرة، وثلاث سنوات في إدارة شركته للتسجيلات الفنية ذات العلامة التجارية هيب هوب، وثلاث سنوات كمسؤول عن شركة ستار الآسيوية للتلفزيون التابعة لشركة نيوز كورب. وبسبب حرصه على تفنيد الاتهامات بالمحسوبية، رسخ نفسه مديراً سريع التفكير صعب المراس.

وكانت شركة BSً؟ «مجالاً ضخماً لإثبات ذلك»، كما يقول أحد الأشخاص المطلعين على شؤون العائلة. وفي شركة ستار، «لم يكن من الواضح فيما إذا قام بعمل جيد».

وفي محطة Sky التلفزيونية، فإن السعر الذي يطالب به المديرون المستقلون في شركة S" يدل على مقدار القيمة التي أضافها إلى الشركة، وفقا لذلك الشخص.

يتحدث جيمس مع والده كل يوم، حيث يسميه «البابا» أو «الرئيس». وينصب التركيز الآن على الكيفية التي سيدير بها نصف المجموعة الإعلامية الأكثر تغيراً وتقلباً في العالم.

ويشيد به زملاؤه بأن لديه فهماً عميقاً للكيفية التي يمكن فيها للتقنية أن تفتح أسواقاً جديدة. وفي شركة BSkyB, ولإظهار ازدراء والده للرضا عن النفس الذي يشعر به المسؤولون الحاليون، أغار على مناطق شركة الاتصالات البريطانية BT وشركة فيرجين ميديا حين أصبح مزوداً لخطوط الإنترنت السريعة ذات النطاق العريض.

وريث مردوخ شخصية شرسة تتمثل بأبطال حرب النجوم

كشفت الفايننشال تايمز في تقرير حديث لها عن شخصية ولي عهد إمبراطورية مردوخ الإعلامية، الابن الأصغر جيمس، وقالت ان شإن طبيعة جيمس التنافسية الشرسة انعكست في اللقب الذي منحه منافسوه لشركة BSً؟ تحت إدارته: نجمة الموت. (كان يحتفظ في مكتبة بأنموذج من دارث فادر الشخصية الشريرة في فيلم حرب النجوم بالحجم الأصلي.) ولم يكن لديه مقعد على مكتبه، الذي تم رفعه لكي يتمكن من العمل واقفاً، وتم تشجيع المديرين على عقد الاجتماعات وهم واقفون كذلك.

وتضيف الصحيفة على لسان أحد الخبراء: «جميس رجل ذكي جداً ومثير للاهتمام. ويشتهر بكونه سريع الغضب.» فبعد أن أخبرت صحيفة «ذا إندبندنت» القرّاء قبل الانتخابات في المملكة المتحدة أن «روبرت مردوخ لن يقرر نتيجة هذه الانتخابات- بل أنتم»، دخل جيمس إلى مكتبه وأمطر رئيس تحريره بكلمات بذيئة.

يقول أحد الأشخاص الذي عمل تحت إمرة جيمس سنوات عدة: إن أحد الإحاطات التي يتعرض لها المرء من خلال عمله معه أنه «كان دائماً ينظر إلى الناحية الإستراتيجية، عشر سنوات لتصبح محطة سكاي التلفزيونية جزءاً من صورة العائلة الكبرى».

.. ويهاجم منافسيه بقسوه

هاجم جيمس مردوخ ابن قطب الإعلام روبرت مردوخ ال«بي بي سي»، قبل فترة، معتبرا أن موقعها «المهيمن» يهدد الصحافة المستقلة في بريطانيا.وقال جيمس الذي يدير نشاطات مجموعة «نيوز كوربوريشن» الإعلامية الأميركية في أوروبا وآسيا، خلال مهرجان للتلفزيون في ادنبرة إن «توسع صحافة ترعاها الدولة يهدد استقلال الإعلام وتعدديته».

وأوضح موردوك أن هيئة مثل البي بي سي تتلقى تمويلها بصورة أساسية من الأموال العامة، تجعل من الصعب استمرار الشبكات التلفزيونية الخاصة، وبينها شبكة بي سكاي بي وموردوك رئيسها غير التنفيذي. وقال «البي بي سي مهيمنة. الهيئات الأخرى قد تنمو أو تختفي، لكن موارد البي بي سي مضمونة وتتزايد».

ومجموعة نيوز كوربوريشن هي المساهم الأكبر في بي سكاي بي وتملك في بريطانيا صحيفتي تايمز وذي صن وأسبوعيتي «صنداي تايمز» و«نيوز اوف ذي وورلد». وسجلت نيوز كوربوريشن خسائر سنوية فادحة بلغت 4,3 مليارات دولار خلال السنة المالية التي انتهت في نهاية يونيو وهي تعاني كسائر وسائل الإعلام من تدني العائدات الإعلانية.

دبي ـ رولا علي