أوصت منظمة الصحة العالمية بإطلاق مبادرة تحث مسؤولي التخطيط العمراني في العالم على الأخذ في الاعتبار الإمكانيات الصحية لكبار السن. ففي الماضي، جرت العادة على تخطيط العواصم والمدن في العالم بما يتوافق مع الأصحاء من الشباب والبالغين، دون اعتبار العجائز وذوي الحالات الخاصة.

ولكن بدأت المجتمعات تشهد تغيرات ملحوظة تتعلق بتحسن الرعاية الصحية وارتفاع الأعمار، في الوقت الذي بدأ قاطنو المدن يشكون من تردي الأوضاع البيئية، والتي تسببت في أمراض جسدية وعقلية. ويقول جون بيرد مدير قسم أمراض الشيخوخة في منظمة الصحة العالمية بجنيف: «تعتمد مسألة الإعاقة في الإنسان على أمرين: قدرة الشخص الجسمانية وسلامة البيئة المحيطة به».

وربما من غير المنطقي أن نطلب من مدينة ما تغيير بنيتها التحتية القائمة، إلا أن «بيرد» يؤمن بضرورة التخطيط السليم الذي يراعي صحة وسلامة كبار السن.

وفي هذا الصدد، ظهر مضمار أكاديمي جديد يعرف بـ «علم الشيخوخة البيئية»، وهو الذي يضع الأطر الصحيحة التي توضح سبل الوصول إلى إحداث توازن بين التخطيط العمراني البيئي وظروف كبار السن في المدن. ويلفت هذا العلم الجديد النظر إلى أن الشيخوخة هي تلك المرحلة التي يكون الإنسان أكثر حساسية للمؤثرات البيئية من حوله. فعلى سبيل المثال يصبح الشخص الكفيف، أو المصاب بالشلل، محدود الحركة داخل المكان الذي يعيش فيه.

وتشهد مدينة نيويورك حالياً حملة واسعة النطاق يدعو أصحابها الشركات إلى تخصيص مرافق صحية لكبار السن. ويرى «بيرد» بأن ذلك لن يكلف هذه الشركات مبالغ طائلة، إلا أنه سوف يشجع المسنين على الخروج من منازلهم ومكابدة مشاق الطريق.

فقد حددت السلطات المعنية في المدينة مناطق معينة في شوارعها، قالت عنها إنها الأكثر عرضة للحوادث بالنسبة للمشاة من كبار السن، إما بسبب سرعة السيارات المنطلقة فيها، أو كونها غير ممهدة بشكل صحيح. ويشير «بيرد» إلى أن جهود صيانة الطرق سوف يستفيد منها الجميع، ولكن لن توقف السرعة الجنونية للسيارات، التي تهدد كبار السن وحتى الصغار. فمن وجهة نظره الأمر يتعلق بمنح الأولوية للمشاة من كبار السن في عبور الطريق، أو المتسوقين أو سكان هذه المناطق.

المسألة أيضاً تتضمن بُعداً اقتصادياً مهماً، وهو ضرورة مراعاة هذه الفئة من المجتمع، والتي تعتبر قوة شرائية لا يمكن الاستهانة بها. أضف إلى ذلك، تشكل هذه الفئة العُمرية عبئاً على الحكومات من حيث توفير الرعاية الصحية لها، في حال تعرض أصحابها لهذه الحوادث.

لذلك من الأهمية بمكان الحفاظ عليهم أصحاء. وباتت هذه المبادرات الشغل الشاغل لكثير من دول العالم هذه الأيام، حتى بدأت بعض الأفكار العملية تظهر على الساحة مؤخراً ومنها فكرة ما يسمى ب«بيت العمر»، وهي تركّز على تصميم المنازل بكافة مرافقها من المهد إلى اللحد. وفي لندن يتم حالياً دراسة هذه الفكرة بحيث تطبق بداية من العام المقبل.

ويعكف مجموعة من الباحثين في معهد «باث» للهندسة الطبية في بريطانيا على ابتكار تصميم لبيوت ذكية مخصصة للمسنين الذين يعانون اضطرابات عقلية أو نفسية. فكرة هذا النوع من المنازل تقوم على تزويدها بمجسات حركة وإضاءة أوتوماتيكية وأجهزة لصرف الأدوية وأخرى للتوجيه الصوتي.

هشام فتحي