شهدت خشبة مسرح معهد الشارقة للفنون المسرحية مساء أول من أمس عرض المسرحية المونودرامية « عائد إلى حيفا»، الذي تستضيفه مجموعة مسارح الشارقة ضمن برنامج فعالياتها لصيف 2010، والمأخوذ عن الرواية الشهيرة للأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني والتي تحمل الاسم نفسه ولعب دور البطولة فيه الفنان المسرحي الأردني غنام غنام وأخرجه الدكتور يحيى البيشتاوي، والذي يعرض للمرة الأولى خارج الأردن،حيث تم عرضه 30 مرة، لاقت جميعها حضورا منقطع النظير.

كان من الطبيعي أن يشهد هذا العرض حضورا لافتاً من قبل الجمهور، وذلك للمكانة الخاصة التي تحتلها رواية الكاتب الراحل في وجدان كل من قرأها على امتداد الوطن العربي والعالم، ولما تنطوي عليه من قيمة تاريخية وأخلاقية، ترصد أهم حدث شهده القرن العشرين على الاطلاق والمتمثل في اغتصاب العصابات اليهودية متعددة الجنسيات لفلسطين واقتلاع شعبها وتشتيته في المنافي البعيدة والقريبة.

ولما تحمله كذلك من أسئلة تضع المنظومة القيمية والأخلاقية للانسانية جمعاء على محك أو مفصل، سيبقى عنوان هذه الحقبة من الزمن طالما هناك لاجئ واحد خارج وطنه.

لكن نجاح هذا العرض المسرحي أو أي عرض آخر، لا يمكن رده للنص الأدبي المأخوذ عنه فحسب، فهناك عناصر أخرى لا تقل أهمية، لعبت دوراً حاسماً في هذا النجاح وساهمت في اتساع رقعة انتشار النص الروائي نفسه، الذي كتبه كنفاني قبل نحو نصف قرن من الزمن.

وأهم تلك العناصر في حالة «عائد إلى حيفا»، يكمن في التوليفة الاخراجية للعمل الذي وإن كان مسرحية الممثل الواحد، إلى أن واقع الحال يشي بغير ذلك تماماً، حيث تقوم تلك التوليفة على إشراك الجمهور، وجعله أحد العناصر التي أوصلت العرض المسرحي إلى بر النجاح، فلقد عمد مخرج العمل إلى إغلاق المدخل الرئيسي لقاعة المسرح، كي يضطر الحضور إلى الدخول من بوابة جانبية تستخدم عادة للشخصيات البارزة.

وتفضي مباشرة إلى الصف الأول من مقاعد الصالة، وهناك عند هذه البوابة الجانبية اصطف طاقم العمل المخرج والممثل والسينوغرافي وآخرون بلباسهم الأسود، وصوت آيات من القرآن الكريم تتناهى إلى مسامع من اصطفوا عند المدخل، وراحوا يصافحون أعضاء الطاقم الذين بدت على محيا كل منهم علامات حزن شديد على فقيد شهيد في مشهد لا ينتهي على خشبة المسرح فقط، وإنما يمتد إلى أركان الصالة كلها ليشكل الحضور مع الطاقم مع مفردات الديكور والسينوغرافيا البسيطة المشهد العام للعمل المسرحي، وكاننا في حضرة مجلس عزاء.

هذا التداخل بين مكونات قاعة العرض المسرحي، سمحت بدخول الجميع إلى قلب العمل المسرحي بصورة مباشرة وبلا مقدمات أو استئذان من أحد، فالجميع متورط أو مشارك ولو بدرجات أو من زوايا مختلفة، ما يحيل الأمر بجوهره إلى المسؤولية السياسية والأخلاقية والانسانية، التي تقع على عاتق الجميع في وصول القضية الفلسطينية، إلى شط استرجاع الحقوق المغتصبة.

وربما هنا بالذات مكمن نجاح العمل المسرحي بصفته يشكل صرخة مدوية ضد المظالم وبصفته يشكل نقطة تلاحم العام بالخاص والشأن السياسي بالشأن الشخصي وبصفته تأكيدا على أن لب القضية أي قضية هو الفرد نفسه، تلك الحلقة التي يقوم عليها المجتمع الانساني برمته، حيث تضمحل كل اوهام الفصل بين أي مكون من مكوناته .

أما قصة العمل المسرحي أو الروائي المأخوذ عنه، فهي تروي حكاية عائلة فلسطينية، من بين آلاف العائلات الأخرى، اقتلعتها آلة القتل الصهيونية من بيتها في حيفا، حيث فقدت ولدها البكر خالد تحت ضغط دوي المدافع وأزيز الرصاص وهدير الطائرات الحربية، فوجدت نفسها بين الحشود على متن قارب بريطاني نقلها إلى جهة أخرى خارج حدود المدينة.

وتمضي السنون وتأتي نكسة عام 1967 ويتسنى لهذه العائلة العودة إلى حيفا، بحثا عن خالد الذي تجده قد كبر وأعطي اسماً آخر هو ديفيد بعد أن وجدته اسرة يهودية، احتلت منزل أهله الأصليين الذين أخرجوا عنوة من الديار، ولم يسمح لهم تحت قوة السلاح والتهديد بالقتل، بالعودة لاصطحابه معهم في رحلة اللجوء الطويلة.

ذروة الحكاية تنعكس جلية في الحوار، الذي دار بين رب الأسرة الفلسطينية سعيد ابو كم وزوجته صفية من جهة، وابنها خالد الذي اصبح ديفيد الضابط في الجيش الاسرائيلي من جهة أخرى، وخلاله وجه ديفيد سؤالاً إلى والديه اللذين لا يعرفهما يقول : لماذا تركتم الطفل وحيدا في مهده، ولماذا لم تحملوا السلاح من أجل استرجاعه، قبل أن يختم بجملة صادمة تقول لوالديه الحقيقيين:

إذهبوا وابحثوا عن الطريق الحقيقية المفضية إلى حيفا، وهنا ينتاب سعيد شعورا بهزيمة حقيقية، ويدرك أن الحل إنما يكمن في مقاومة كان قد استهلها ابنه الثاني خالد منذ وقت بعيد. كما ان « عائد إلى حيفا» في نسختها المسرحية تطلق صرخة مدوية اخرى ضد الانقسام والاقتتال الفلسطينيين، وذلك من خلال قصة استشهاد خالد نفسه،الذي اقيم بيت العزاء من اجله،والذي اعتقلته قوى الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية، قبل أن تسلمه إلى قوات الاحتلال التي خرج من سجونها محمولاً على النعش قتيلا جراء التعذيب.

وردا على سؤال وجهته « البيان» لبطل العمل الفنان غنام غنام حول الحدود الفاصلة أو الجامعة بين الشخصي والعام في مسرحية «عائد إلى حيفا»، قال:« إن الشخصي والعام مختلط في هذا الحالة وذلك يعود إلى سببين،العام ينطلق من موقعي كفنان حامل لهذه الرسالة والشخصي من موقعي بصفتي فلسطيني ولاجئ ونازح في الوقت نفسه.

وبالتالي فأنا لدي سجلي التاريخي والشخصي في صيرورة النضال من أجل القضية الفلسطينة وتحرير فلسطين، لكن التداخلات والنقاط الفاصلة لا تلاحظ إلا خلال البروفات، أما عندما تدخل إلى المسرح، ويبدأ العرض، فإن المسألة تصبح مسألة واحدة لا فكاك بين عناصرها، وهنا تتجلى القضية في كونك حامل لهذه القصة، وهكذا تظهر الشخصية الرئيسية في الرواية، لتعبر عن نفسها بنفسها وأن كنت انت من يشكل لها المناخ لذلك».

الشارقة- باسل أبو حمدة