مر الناقد الفني المشهور والديمير جانوسكزك بتجربتين سابقتين في حياته تعرض من خلالهما للخداع المهين، فتمثال غوغين الذي اشتراه معهد الفنون في شيكاغو بمبلغ رُبع مليون دولار لفت انتباهه وأثار إعجابه الشديد، حيث كان واضحاً من العمل الفني أن من قام به دون أدنى شك هو الفنان المعروف غوغان، والتمثال الذي كان يصور كائناً شقياً، نصفه رجل ونصفه الآخر ماعز بدا متقناً لدرجة لم تخطر ببال النقاد الفنيين أو المعهد نفسه أن هذا العمل قد يكون مزيفاً.
وذهب الناقد الفني والديمير إلى ما هو أبعد من هذا، فقد استضافته محطة «بي بي سي» لمدة ساعتين متواليتين ليتحدث عن غوغان وأعماله، ولم يغفل أثناء ذلك أن يكيل المديح والثناء للتمثال. بعد ذلك بسنوات قليلة، ألقت الشرطة القبض على شخص يدعى شون غرينهالغ، يعيش بمفرده، ويصنع التماثيل المزورة، وقد نجح الرجل في خداع المتحف البريطاني ومتحف فان غوخ ومؤسسة هنري مور ومعظم المعارض الأميركية.
لهذا تم طرحه في السجن، لكن هناك صفحة على موقع فيس بوك تطالب بإطلاق سراحه، وهناك الكثير من المتعاطفين معه ومنهم والديمير نفسه الذي يتمنى أن يتم إطلاق سراح غرينهالغ لأنه ببساطة لم يفعل شيئاً سوى أنه قدم للناس شيئاً يصبون لرؤيته.
تكمن العبرة من وراء تلك القصة - حسبما يرى والديمير - في أنه في عالم الفن فإن الإدراك أهم من الواقع، وأن الناس تجري خلف التواقيع والأسماء، وأن الناس يشاهدون ما يريدون أن يشاهدوه بناء على إدراك واع لديهم بأن ذلك الفنان عظيم، كما أن المعادلة أصبحت واضحة فهي سباق بين جوع الأثرياء والمهتمين بشراء الأعمال الفنية وجوع المزورين للمال، ويستغل الآخرون رغبة هؤلاء في الاستمتاع بما يرون أنه فن عظيم، ويقدمونه لهم بطريقة لا تقل تقانة عن الرسم الأصلي.
في عام 1924 اشترى المعهد الوطني للفنون في الولايات المتحدة لوحة تعود إلى عصر النهضة عنوانها «أم وطفل» يفترض أن من رسمها الفنان فرانسيسكو فرانسيا في العام 1480، لكن تبين لاحقاً أن اللوحة تم رسمها في القرن التاسع عشر من قبل مزور إيطالي محترف يدعى أمبيرتو جيونتي، الذي أبدع اللوحة لدرجة أنه نجح في أن يضع الشروخ الدقيقة في اللوحة التي تدل على قدمها وعراقتها، وتأثر معظم الناس باللوحة على اعتبار أن من رسمها هو رسامهم المحبوب فرانسيا، لكنهم بلا شك ما عادوا ينظرون إليها بنظرة الإعجاب ذاتها حين انكشف أمرها.
خبراء الفنون أيضاً انكشف أمرهم، فما عادوا ثقة من قبل الناس، لا بل صاروا موضع سخرية وتندر، خاصة في بعض الحالات التي يكون من السهل فيها كشف التزوير مثل لوحة مادونا التي رسمها الفنان الإيطالي بوتيشلي، حيث كان من الواضح أن اللوحة المزورة التي بيعت في عشرينيات القرن الماضي لا تمت بصلة للقرن الخامس عشر.
لهذا أقام المعهد الوطني في لندن معرضاً يضم لوحات أصلية ومثيلتها المزورة، وللإنصاف فإنه لم يتحدث بسوء عن الأعمال المزورة بل حاول أن يترك للجمهور المقارنة مع كتابة بعض السطور عن كل لوحة على حدة، ومن تلك اللوحات كانت لوحة فرانس فان ميير وعنوانها «أمرأة تُرضع ببغاء».
حيث وضعت جنباً إلى جنب مع اللوحة المزورة وكتب تحتهما: «هاتان اللوحتان متشابهتان جداً، إلى حد التطابق، هل يمكنك ملاحظة الفرق؟» الكثيرون عجزوا عن أن يلاحظوا أي فرق بين اللوحتين، حتى خبراء الفنون الكبار من أمثال والديمير عجزوا عن تحديد الأصل.
إعداد ـ يوسف جباعته
