قبل آلاف السنين، ومنذ أن غادرت الأميرة الفينيقيّة «أوروبا» مرفأ مدينة صور (جنوب لبنان) بمركب شراعي ضخم، حمل في مقدّمته رأس حصان وفي مؤخّرته ذيل دلفين، عرِفت في العالم تصميمات السفن الصوريّة (نسبة إلى مدينة صور) باسم «أوروبا».

سفينة فينيقيّة بأشرعة بيضاء وصوارٍ ومجاذيف، تبدو خارجة للتوّ من متحف التاريخ.. تسيّرها سواعد 15 بحّاراً أقوياء، يخلعون على أجسامهم الزيّ الفينيقي الأبيض الذي يغطّي القسم الأسفل من الجسم فقط، وتصدح صرخاتهم الجهورة مخترقةً الْيمّ لتخبر عن ماضٍ سحيق..

علماً أنه، وفضلاً عن «المجذِّفين»، هناك ثلاثة آخرون يُطلق عليهم اسم «الريّاس»، بلغة البحّارة والصيّادين، وهم يتولّون مهمة الإشراف على «المجذِّفين» والانتباه أثناء دخول وخروج السفينة من المرفأ.

رأس حصان شامخ إلى فوق يتقدّم السفينة «العنيدة»، في ما تذّيلها زعنفة سمكة ضخمة تقارع المياه العاتية بأنفة وزهو.. أما متنها (جسمها) الذي تخترقه المجاذيف، فيبدو غريباً بالفعل وسط هذه المتاهة الحيوانية-البرية-البحرية المتداخلة، خصوصاً أن شراعاً أبيض يرفرف فوقه، فتتكامل اللوحة بعد انضمام مقوّمات الحيوان الطائر إلى البرّي والبحري. هيكلها من الخشب الإفريقي.

أما عامودها الفقري (ضلعها)، فمن الخشب البلدي المستخرَج من شجر الكينا.. وتزّنر السفينة كوّات جانبية يتهادى منها 12 مجذافاً خشبياً (6 من كل جهة) تضرب صفحة الماء لتزيد من السرعة، بينما تنتصب في وسطها سارية واحدة ترفع الشراع التقليدي والعلم الفينيقي بألوانه البيضاء والحمراء.

والسؤال «اليتيم» الذي يتبادر إلى ذهن زائر المكان: هل بُعِث الفينيقيون مجدّداً من بحر مدينة صور على الساحل اللبناني الجنوبي؟.. يسأل، فيقوده الصيّادون إلى صاحب السفينة التي تبحِر في زمن غير زمنها، فبانيها وصاحبها يُعرف باسم «الفينيقي الأخير»! هناك، في أحياء صور القديمة المتاخِمة للشاطئ.

حيث تنحت أيادي النجّارين الصوريّين عشرات المراكب الشراعية، يمارِس «الختيار» الياس مارون بربور (76 عاماً) مهنته التي ورثها «أبّاً عن جدّ» في قبوٍ عتيق، بعيداً عن «عجقة» الآلات الحديثة.. يرسم ويصمِّم ويشيِّد السفن، فـ «أنا رفيق البحر، عمر مهنتي من عمر مدينة صور، وهي لا تتطلّب إجادة القراءة والكتابة»، كما يقول.

ويتابع: «أقضي أياماً عدّة دون أن أعمل على الماكينات.. هناك أوقات للتصميم وللرسم وتحضير بعض المستلزمات التي لا أشتريها بل أحضّرها بنفسي»، لافتاً إلى أن مركب «أوروبا» يرسو في أكثر المرافئ العربية والأوروبية، يبلغ طوله 13 متراً وعرضه 4 أمتار، في ما يبلغ عرض شراعه 7 أمتار وطوله خمسة.

بيروت ـ وفاء عواد