منذ عقود طويلة وأفلام وكتب الخيال العلمي تزخر بشخصيات هجينة بين الإنسان والآلة. ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك شخصية زو غرايستون، بطل أحد المسلسلات الدرامية الأميركية، وتحتوي تلك الشخصية على دماغين، أحدهما بشري والآخر نسخة رقمية طبق الأصل، تحولت فيما بعد إلى عقل واع مستقل بذاته. وعندما يموت زو، تتم زراعة دماغه الرقمي في روبوت على شكل الإنسان، لتعود به إلى الحياة وكأنه بعث من القبر مجددا.

لكن هل يمكن لمثل هذه الحكاية أن تصبح واقعاً؟ مع انه من غير المحتمل أن يتوصل العلماء إلى كائن روبوتي مستنسخ عن الإنسان في المستقبل القريب، فإن شركات عدة بدأت تخطو الخطوات الأولى في ذلك الاتجاه. ويتمثل هدفها الأولي في تمكينك من إيجاد تجسيد رقمي يشبهك شكلاً ومضموناً، أو أفاتار، يبقى حياً بعد موتك وتحلل جسمك البيولوجي.

وهذا «التوأم» ربما يمكنه تقديم دروس قيمة لأحفاد أحفادك ؟ فضلاً عن إعطائهم فكرة وافية عن حياة وشخصية جدهم الأكبر.

لكن ما يريده هؤلاء في نهاية المطاف هو بناء أفاتار شخصي واع مجسد في روبوت آلي، يكون بمثابة كائن رقمي مستنسخ عنك.

تخزين النفس

وإذا كان بوسعك تخزين نفسك بشكل رقمي، فإنك بذلك تضمن لنفسك شكلاً من أشكال البقاء بعد الموت، كما يقول نك ماير من شركة «لايفنوت» الأميركية التي تحاول استكشاف طرق لبناء أفاتارات على شكل الإنسان.

وتعتمد لايفنوت بشكل مبدئي على سلسلة من اختبارات الشخصية، جلسات التعليم والمواد الشخصية المحمّلة رقمياً مثل الصور ومقاطع الفيديو والمراسلات. والنتيجة، بحسب ماير، ستكون أفاتار يشبهك بالشكل والمضمون، يتحدث مثلك ويستطيع وصف الأحداث الرئيسية في حياتك مثل يوم زفافك ويوم تخرجك وأجمل عطلة قضيتها في حياتك.

لكن إلى أي مدى يمكن أن تتقدم مثل هذه التكنولوجيا؟ إلى أي مدى يمكن إعادة أنتاج شخصيتك ومعرفتك حاسوبياً؟ وهل يمكن حقاً ان نستنسخ أنفسنا رقمياً في يوم من الأيام؟

ومن يريد استكشاف الإرهاصات الأولى لهذا التوجه، ما عليه سوى الدخول أولاً إلى موقع «لايفنوت» (جينمَفُِّّ) الإلكتروني لإنشاء واجهة بصرية أساسية تمثل شخصيته على أمل ان يتمكن أحفاده من بعده التفاعل معها بعد رحيله. ويتطلب هذا تحميل صورة شخصية خالية من أية تعبيرات يستخدمها بربامج لايفنوت لبناء مجسم افتراضي للوجه يمكنه التحدث والغمز والرمش.

لكن في الوقت الراهن لا يزال شكل المستنسخ الرقمي الناتج بهذه الطريقة بدائياً جداً، ولا يشبه ما نراه في أفلام الخيال العلمي، لكن البحث جار على قدم وساق في هذا المجال لتحسين المظهر الخارجي، على أن الأهم من ذلك، بحسب إجماع الباحثين، هو العمل على جانب بناء شخصية الأفاتار بحيث يتصرف فعلاً كالإنسان.

ومنذ عام 2007 يعمل فريق من باحثي جامعة سنترال كاليفورنيا بالتعاون مع باحثين من جامعة إيلنوي في شيكاغو على مشروع يهدف إلى إلى إيجاد أفاتار واقعي مستنسخ عن ألكساندر شوارتسكوف، المدير الأسبق لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية.

ولقد عرض الباحثون أمام حوالي 1000 طالب تسجيلات فيديو وصور فوتوغرافية لشوارتسكوف، إلى جانب نماذج أولية عن الأفاتار، واستخدموا تعليقاتهم لمحاولة استنباط ماهية السمات في شخصية أي إنسان التي تستحوذ على أكبر قدر من الانتباه من قبل الآخرين. وخلص هؤلاء إلى أن التركيز على السمات المميزة التي ينفرد فيها كل شخص عن غيره أهم من بناء أفاتار يحقق التطابق الشكلي في المظهر فقط.

«وربما تكون السمة المميزة الطريقة التي يهز بها الشخص رأسها عندما يتحدث أو الطريقة التي يرفع بها حاجبيه، لكن المهم الحرص على تقليد تلك الحركات في السياق الصحيح» كما يقول ستيف جونز من جامعة إيلنوي.

محاكاة السلوك

والتحدي التالي هو جعل الأفاتار يتحدث مثل الإنسان. وفي الوقت الراهن تأتي معظم التطبيقات الرقمية التي تحاكي السلكوك البشري في المحادثة من برامج يدعى «تشاتبوت»، تستطيع تحليل سياق المحادثة وإنتاج اجابات تبدو ذكية وكأن الروبوت يفكر. ويذهب موقع لايفنوت إلى أبعد من هذا الحد ببناء برنامج محادثة مصمم خصيصاً لكل شخص.

وبحسب رولو كاربنتر من شركة الذكاء الصناعي البريطانية «إيكوجنو»، فإن هذا أقصى ما يمكن تحقيقه الآن، نسخة رقمية «غير واعية لوجودها وغير مرادفة لك، لكنها قادرة على التحادث مع الناس لبرهة قصيرة على الأقل، وإقناع من يتحدث إليها أن فيها جزءاً منك».

وتأتي قدرات المحادثة التي يتمتع بها أفاتار شركة لايفنوت من برنامج يدعى «جابرواكي» طور من خلال تحليل محادثات حقيقية مع ملايين البشر منذ 1997 وفاز إلى الآن مرتين بجائزة «لوبنر» التي تمنح لأفضل روبوت شبيه بالبشر.

وبينما تتم برمجة العديد من البرامج المشابهة بحيث تستخدم مجموعة من العبارات وردات الفعل استجابة لكلمات معينة، فإن «جابرواكي» يبحث عن أنماط مشتركة بين المحادثات، ويستخدمها لضمان أن يكون ما يقوله منطقياً قدر الإمكان في سياق ما قيل له للتو».

وربما يبدو الأفاتار مثل الإنسان ويتحدث مثله، لكن كيف تجعله يشبهك؟ الطريقة الوحيدة هي تلقينه المعلومات عن نفسك. وهذه العملية اللازمة لاستنساخ الشخصية معقدة جداً، وتتطلب في المرحلة الأولى فقط إعطاء رأيك في 480 عبارة مثل «أحب إرضاء الآخرين» و«أتعاطف مع المشردين»، بحسب مدى دقتها في التعبير عن مشاعرك.

ثم يطلب منك بعد ذلك تحميل ملفاتك الرقمية الشخصية مثل المذكرات، الصور وتسجيلات الفيديو مرفقة مع تعليقات موجزة عن الأسماء والتواريخ المقترنة بها، بحيث يستطيع الأفاتار الخاص بك بناء «ذكرياتك» في دماغه الرقمي.

إعداد: علي محمد