عني العرب بالأنساب وأولوها أهمية كبيرة، نظرا للأوضاع التي فرضتها الظروف المحيطة بهم، فالقبيلة قديما كانت هي الكيان السياسي الذي يلتف أفراد القبيلة حوله، اذ تنعدم السلطة المركزية ذات الهدف الواحد، وتكون الكتلة القبلية آمال أفرادها وطموحاتهم وآلامهم، وماينجم عن ذلك من انعكاسات اجتماعية في تكافل أفراد القبيلة الواحدة، من دفاع ونصرة وارث وفك للعاني وسداد لدين المدين، ونحوها.
بل ان القبيلة كانت تستوفي كافة مقومات الدولة سوى الأرض المعينة الحدود. كما ان لحالة الفوضى السياسية العارمة بين العرب، والتي تمثلت بكثرة الغارات والحروب فيما بينهم، والتي ولّدتها الظروف الاقتصادية، وانعدام السلطة المركزية والترسبات الأخلاقية كالثارات، وغيرها، أثراً نتج عنه تفكك بعض القبائل، أو انفصال بعض أفرادها عنها والدخول في تحالفات سياسية وعسكرية مع قبائل أخرى، مما ولّد أهمية خاصة بصلات النسب، وحفاظا على كيان القبيلة من التفكك أو الوقوع فريسة سهلة للطامعين وأصحاب الثارات.
الحرب الدعائية
هذا بالإضافة الى الحرب الدعائية التي كان يقودها الخطباء والشعراء، بين تلك القبائل، نظرا لتلك الظروف المتوترة، والتي جعلت من معرفة النّسب أهمية قصوى في المنافحة عن القبيلة وعدّ مآثرها، وذكر مثالب وعيوب الأطراف المعادية. ولمّا جاء الاسلام لم يلغ هذه الأهمية وهذه الحفاوة بالنسب، بل هذّبها ووظّفها بما يخدم الفرد والمجتمع، والذي مقته منها هو التّعصب الأعمى.« (1) بن سليمان المقبل، د. عبد العزيز، النّسب عند العرب والتصنيف فيه، مجلة العرب، ج 1، 2، رجب، شعبان، سنة 1420 هجرية، ص: 56».
لكل عِلْم قواعده التي تضبطه، ومصطلحاته الخاصة به، إلاّ علم النسب مع كثرة الكتابة فيه مؤخَّرًا لم يكن له حظّ في كبح جماح المتعجّلين، ممن ينقل مِن هنا وهناك فيدفعه للمطبعة ولا ينظر إلى نتائج ما كتب، خاصة أولئك الذين لم نقرأ لهم ولم يعرف عنهم من قبل أن نشروا بحثا أو حتى اشارة، أو مقالا، أو حتى تعليقا على أي موضوع يتعلق بالأنساب، وفجأة يخرجون علينا بمؤلفات عن أنساب القبائل. ولا تعجب إذا رأيت أنّ كثيرًا من أولئك الكتبة ليس لهم إلاّ ذلك التأليف في نسب قبيلة أو تاريخ بلدة.
والتأليف له آدابه، وأعرافه من أهمها احترام عقلية القارئ وعدم ذِكْر أيّ دعوى بلا برهان من رواية صادقة أو نقل معتبر. ولذا فمن المحتم ذِكْر بعض المحاذير التي قد يقع فيها المشتغل بعِلْم الأنساب والتنبيهات التي لابدّ له من مراعاتها؛ فمن ذلك أنّ المشتغل في النسب قد يدّعي نسبًا بلا حُجّة أو ينفي نسب أحد بلا برهان، والدافع إلى ذلك إمّا أن يكون الهوى أو العجلة وعدم التثبت، والعجلة في مثل مباحث الأنساب زلّة أقدام. «(2) أنظر: بن سعد الدغيثر، أ.عبدالعزيز، معالم ضرورية لطالب علم النسب، مجلة العرب، ج7 و8، عدد محرم وصفر 1427 هجرية، مج 41، ص: 537».
كتب الانساب
لقد ظهرت في الآونة الاخيرة في المكتبات كُتُب كُتِبَ على أغلفتها أنها تعنى بأنساب القبائل العربية، ويبدو أن البعض منهم ممن أقحم نفسه في هذا الجانب المهم والثري في الثقافة الشفاهية البدوية، استسهل هذا الأمر، وسلك هذا المسلك الوعر، وتبنى هذه المهمة الصعبة والشائكة، وأخذ على عاتقه ربما عن نبل قصد، أو عن جهل ظاهر وقلة قراءة واطلاع على كتب الانساب.
وهو اذا ادعى قراءتها واستشهد ببعض ماجاء فيها، فاستشهاده ينم عن سذاجة واضحة لكل من ألقى السمع وهو شهيد، فعدم هضمه وفهمه لفحوى مافي هذه الكتب من مادة غزيرة، واخذ النصوص على علاتها، دون تقليب ومراجعة ونقد، وذلك يتبين لنا في اقتناصه أي عبارة، أو ذكر لعلاقة قديمة ما، أو شاردة أو واردة بين قبيلتين على سبيل المثال.
أو حادثة ربما حدثت في العصر الجاهلي وربطها بفترة قريبة ونسبتها الى قبيلة من قبائل اليوم، مع تعذّر إثبات هذه الصلة لهذه القبيلة بتلك الحادثة، اللهم الا بضع كلمات جاءت في قصيدة متأخرة لشاعر شعبي اشارت ربما عرضا ومن باب الفخر أو التشبه بأبطال تلك القبيلة الجاهلية (كفترة زمنية تاريخية) بالقبيلة الحالية، أو بالاعتماد على رواية من روايات اخباري ممن اتهم بالكذب والتدليس والانحياز لفئة من الفئات والتعصب لها، واختلاقه الانساب.
عبث النسابة
وممن طعن في أمانته العلمية كثير من المتأخرين والمتقدمين من المؤرخين حتى لو كان ممن صنفتهم كتب التراجم كنسّابة، ولعل أشهر مثال يحضرني هنا في هذا المجال هو هشام بن السائب الكلبي، وهو من أشهر من صنّف في الأنساب، وقد بنى هؤلاء النسابة احكاما تصل حد اليقينية بهذه النسبة والصلة بين القبيلتين، استنادا الى رواية من روايات هذا النسابة المتهم في أمانته كما سنرى.
فقد عبث بعض النسابة الجدد الذين استسهلوا ولوج هذا العلم بأنساب القبائل ولم ينهجوا منهج دغفل بن حنظلة حين سأله معاوية بن ابي سفيان، رضي الله عنه، بعد أن اختبره ووجده رجلا علاّمة في أنساب العرب، فقال معاوية: بما نلت ذلك يا دغفل ؟ أجاب بحكمة قائلا: بلسان سؤول وقلب عقول، وآفة العلم النسيان.
وبعض نسّابتنا الجدد تجردوا مع الأسف من هذا اللسان السّؤول ومن ذلك القلب العقول الذي يزن النصوص بميزان البحث العلمي المنهجي المطلوب. وردت الكثير من الترجمات لهشام بن السائب الكلبي. ومن أشهر من اورد ترجمة لهشام بن السائب الكلبي هذا هو السمعاني في كتابه «الأنساب» حيث يقول إنه من أهل الكوفة، صاحب النسب، يروى عن أبيه، وهو ومعروف مولى سليمان، والعراقيين، العجائب والأخبار التي لا أصول لها.
وروى عنه شباب العصفري، وابنه العباس بن هشام، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وعلي بن حرب الموصلي، وعبدالله بن الضحاك الهدادي، وأبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، أخباره في الأغلوطات أشهر من أن يحتاج الى الاغراق في وصفها.
اما ابوه فهو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد العزّى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي، صاحب التفسير، من أهل الكوفة، وكان الكلبي الأب سبئيا، من أصحاب عبدالله بن سبأ حسب السمعاني، من اولئك الذين يقولون ان عليا لم يمت، وأنه راجع الى الدنيا قبل قيام الساعة، فيملأها عدلا كما ملئت جورا، وان رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها.
«(3) السمعاني، ابو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور، الأنساب، مج 4، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1998 م، أنظر ص 639 ومابعدها». ويصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء ب«العلاّمة الاخباري النسّابة الأوحد أبو المنذر هشام بن الاخباري الباهر محمد بن السائب بن بشر الكلبي الكوفي أحد المتروكين كأبيه. قال عنه أحمد بن حنبل: انما كان صاحب سمر ونسب، ماظننت أن أحدا يحدث عنه.
وقال الدارقطني وغيره: متروك الحديث. وقال ابن عساكر: ليس بثقة. وقد اتهم في قوله: حفظت القرآن في ثلاثة أيام. وكذا قوله: نسيت أن مالم ينس أحد، قبضت على لحيتي، والمرآة بيدي، لأقص مافضل عن القبضة، فنسيت، وقصّيت من فوق القبضة،. وله كتاب الجمهرة في النسب، وكتاب حلف الفضول، وكتاب المنافرات، وكتاب الكنى، وكتاب ملوك الطوائف، وكتاب ملوك كندة،. وتصانيفه جمّة، يقال بلغت مئة وخمسين مصنّفا أوردها ابن النديم في الفهرست.
وكان أبوه مفسرا، ولكنه لايوثق به أيضا، كابنه». «(4) انظر: الذهبي، أبو عبدالله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، ج 3، بيت الأفكار الدولية، ط 1، 2004 م، ص 4095». ومن المؤرخين المعاصرين العلامة الدكتور جواد علي الذي تطرق لابن الكلبي، أورد قراءة نقدية وتحليلا علميا منهجيا لمؤلفاته في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام يقول فيه «ولأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي المتوفى سنة 204 أو 206 هـ فضل كبير على دراسات تاًريخ العرب قبل الإسلام، فأغلب معارفنا عن هذا العهد تعود إليه.
وقد سلك مسلكاً جعله في طليعة الباحثين في الدراسات الاثارية عند المسلمين، برجوعه إلى الأصول، واعتماده على المراجع التاربخية، متبعاً سبيلا تختلف عن سبيل أهل اللغة في البحث، وهو - بطريقته هذه - قريب من طريقة المؤرخين في تدوين التأريخ».
ولكنه لم يخل مع ذلك من مواطن الضعف التي تكون عادة في الإخباربين، مثل سرعة التصديق، ورواية الخبر على علاته دون نقد أو تمحيص. وقد اتهم بالوضع والكذب. ولذلك تجنب جماعة من العلماء الرواية عنه، وقالوا عن بعض أسانيده أنها سلسلة الكذب. وذهب «بروكلمن» إلى أن ما اتهم عليه ابن الكلبي لم يكن كله صحيحاً، وأن البحوث العلمية التي قام بها المستشرقون دلتهم على أن الحق كان في جانبه في كثر من المواضع التي اتهم عليها.
وأنا لا أريد أن أبرئه من الوضع أو من تهمة أخذه كل ما يقال له، ولا سيما إذا كان القائل من أهل الكتاب، دون مناقشة ولا إبداء رأي. ففي المنسوب إليه شيء كثير من الإسرائيليات والقصص الممسوخ الذي يدل على جهل قائله أو استخفافه بعقل السامع وعلمه، مثل اختراع سلاسل من النسب زعم أنها واردة في التوراة، أو عند أهل النسب، مع ان الوضع فيها بينّ واضح، وهي غير واردة في التوراة ولا في التلمود.
ولعلّ حرصه على الظهور بمظهر العالم المحيط بكل شيء من أخبار الماضين، هو الذي حمله على الوضع، وقد وضع غيره من أقرانه شعراً ونثراً، وصنع قصصاً، ليتفوق بذلك على أقرانه وخصومه، وليظهر بمظهر العالم الذي لا يفوته شيء من العلم. وقد عالج بعض الباحثين زعم «ابن الكلبي» أنه كان يستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر ومبالغ أعمار من عمل منهم، وتاريخ سنيهم من بيع الحيرة، فرأى أن كتابات أهل الحيرة كانت بالكتابة النبطية وبالأرقام النبطية.
كما أثبت ذلك نص «النمارة» أيضا، وأن «ابن الكلبي» لم يكن يحسن قراءة النبطية ولم يفهمها، وعندما حاول قراءتها لم يتمكن من ذلك فوقع في أوهام، وجاء بأمثلة على ذلك تتعلق بما ذكره «ابن الكلبي» من مدد حكم أولئك الملوك فوجد أنه لم يميز مثلاً بين الرقم «20» والرقم «100» وذلك لتشابه شكل الرقم الأول مع شكل الرقم الثاني في النبطية، فقرأ العشرين مئة، فزاد سني حكم الملوك. ومن هنا أخطأ في ضبط مدد حكم - ملوك الحيرة، ولا سيما بالنسبة للقدامى منهم، لأن الكتابات النبطية المتقدمة لم تكن مثل الكتابات النبطية المتأخرة في قربها من الأبجدية العربية القديمة.
