شاعر ورجل علم ودين، لم يبخل على البلد بعلمه، أفنى حياته في خدمة دبي باشّاً سعيداً، وهو صاحب المقولة: «لقد وهب الله هذه الأرض وهذا الشعب حكاماً أجلاء عظماء، عجز التاريخ أن يجد مثلهم في غير هذه الأرض وهذه المنطقة في عصرنا الحاضر، وإن الشباب لو اتخذوا من سيرهم وشخصياتهم قدوة حسنة لهم لفازوا ونجحوا في حياتهم وسيرتهم، لأنهم وقفوا أمام خير قدوة يقتدي بها الشباب».
انه ضيفنا الجليل الشيخ عمر عبيد الماجد، يحدثنا بأنه لا يوجد تاريخ دقيق للولادات كونه لا توجد تلك المستشفيات، والولادة تتم بالبيت. ولد في ديرة في منطقة البطين، حارة البدور، وكانت عبارة عن ثلاثة منازل، وتبنى على الجوانب، وبينها ساحة للعب الأطفال وفي أيام الحر يجلس الناس بالساحة بين البيوت وفي ذلك الوقت كانت دبي تنقسم إلى أربعة أقسام: ديرة من المكتبة العامة إلى منطقة المرر والشندغة فيها سكن الحكومة وهي الشريط الشمالي من المدينة والجهة الجنوبية التي يفصلها عن ديرة الخور تسمى بر دبي والقسم الرابع أم سقيم التي من بعد الشندغة وبر دبي تتجه إلى ميناء جبل علي.
والكثافة السكانية كانت تتركز في منطقتي ديرة وبر دبي، لأن منطقة سكن الحكومة كانت شريطاً بين بحرين البحر الشمالي والبحر الجنوبي، وأيضاً هذا الجزء مليء بالسكان ولكنه صغير.
والدي أعز ما في حياتي
الوالدة توفيت وأنا بعمر 12 سنة والدي أعز شيء عندي في الدنيا لأنه هو الذي يعطف عليّ بشكل كبير وأقول له لقد أصبحت رجلاً فيقول ما عليك تبقى ابني، والدي عوض علي دور الأم، ولساني يعجز عن وصفه.
وحتى لما عزمت الذهاب إلى مكة كون الوضع الاقتصادي في دبي كان ضعيفاً، لأنني كنت أعمل في المدرسة الأحمدية، وأقدم كل راتبي لوالدي الذي كان يعمل مثل سائر أبناء البلد في الغوص واللؤلؤ، ولكن في آخر الأيام انهارت تجارة اللؤلؤ وتعب صحياً ولكن من حسن الحظ أني عينت مدرساً فكنت عوناً له إلى أن توفاه الله، وانا على هذه الحالة، لي أخي الكبير الشيخ مطر، وأخت، والفارق بيني وبين مطر كبير وكان من المدرسين الذين تعلمت على أيديهم.
المدرسة الأحمدية تاريخ
كان المدرسون قبلي كثر في المدرسة الأحمدية، أنا لم أدركهم إلا أنني أسمع بهم وكان يفد إليها من شتى البلاد العربية: المغرب، اليمن، العراق وحتى من فارس، فدبي كان فيها من العلماء في المواد التي كانت في ذلك الزمان ويحتاج الإنسان إليها الكثير، وعندما دخلت المدرسة الأحمدية وعمري لم يتجاوز الست سنوات بدأت رحلتي واستمرت إلى أن بلغت السادسة عشرة، وبما أن الوضع المادي ضعيف فالبلاد لا تستطيع جلب مدرسين من الخارج وكانت تعتمد على خريجي المدرسة، وعندما تخرجت أنا وغيري عينا مدرسين وأذكر الشيخ أحمد بن عبدالله بن ضبوي والشيخ عبدالجبار الماجدي ومحمد بن عبدالله بن ضبوي والشيخ عبدالله بن راشد بن شبيب.
الرحيل إلى مكة
فكرة الرحيل أن أستاذي صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن نور عزم الرحيل إلى مكة وأنا تربطني به صلة قرابة، وعزّ عليه أن يتركني وجاء إلى والدي، وقال لابد أن أخذه لمكة للتوسع في الدراسة لان والدي كان خاله.
بعد أن وصلت لمكة وأنا ذاهب للدراسة فقط، ولكن الإقامة والسكن يحتاجان لمصروف رجعت للشيخ محمد بن نور وشرحت له الوضع فقال لا عليك أعطني فرصة وأنا سأدبر لك عملاً، ذهب لمدير المعارف السعودي وشرح له الوضع، فقال سنجربه وإذا استفاد منه الطلبة سنوظفه أرسلوني للمدرسة المنصورية ودرست فيها لفترة، وكانت دائرة المعارف ترسل مفتشين ونقلت لمدرسة الرحمانية واستمروا معي لأسبوع وحصلت على تزكية من جميع المفتشين وصدر تعييني وبقيت ست سنوات في مكة أدرس وأدرس في مدارس ليلية.
الرواتب من دبي
وفي دبي فإن حكومة دبي تدفع ولكن المرتبات لا تتجاوز الستين روبية، وعندما انتقلت للسعودية كانت الرواتب عالية وراتبي 400 ريال سعودي، حتى إن والدي كان يقول لي لا ترسل لي فأقول له هذا جزء بسيط من رد الجميل واستمر إلى أن رجعت إلى دبي وأصبح والدي يعاني المرض والشيخوخة ومات بعد عام.
مرحلة التدريس
عندما طلبني الشيخ راشد للتدريس ومضت السنة الأولى وأتينا للسنة الثانية، بعض الناس اقترحوا على الشيخ راشد أن الزمان المقبل والجيل الجديد يحتاج إلى دراسة أوسع واطلاع أكبر استحسن الفكرة وبعدها طلبني فقلت له أنا أدرس أبناءك ولكن أفضل أن يذهبوا للخارج قال لي: عمر عملك يستمر معنا.
وأرسلت الكويت مدرسين للتدريس في الإمارات فقال لي اختار أي مدرسة تريد وأنا حاضر، فكانت مدرسة السعيدية اتصل بالمشرف، وقال له نريد أن يدرس عمر بعد عامين طلبني المغفور له الشيخ راشد وقال: الناظر على المدارس يريدك أن تنتقل لمدرسة الشعب، بعد عامين انشأ المعهد الديني وانتقلت إليه لعامين ثم طلبني راشد، وقال نريدك أن تتولى دائرة الأراضي فقلت له يا طويل العمر أنا لا أعرف هذا العمل، فقال وهو مثال التواضع والنظرة الفاحصة رحمه الله لا عليك ستعرفه.
قلت له يا طويل العمر لا أحد يرد لك أمراً ولكن هذه الوظيفة تكثر فيها الشكاوى والحسد، أما التدريس فلا أحد يحسدك على هذه المهنة، ولكن إذا أردتني أن أعمل فلي طلب، قال تفضل قلت له إذا جاء أحد يشكوني فأرجو أن تطلبني معه إذا كنت مخطئاً فأنت الحاكم ولك القرار، وإذا لم أكن مخطئاً فأنت من يستعيد لي كرامتي، فقال هذا عهد لك.
35 عاماً بدائرة الأراضي
بقيت 35 سنة في هذا العمل، والدائرة مرت بعدة مراحل، المرحلة الأولى كانت مجرد تسجيل أملاك عام 1960 أنا لم ادخلها، بل عينت عام 1963، وانتدب لها مديراً من السودان اسمه أحمد آدم واستقال وانتدب السيد محمد التيجاني أيضاً من السودان، لكن الشيخ راشد كان يريد للمواطن دوراً لهذا طلبني. في العام 1963 ميلادية أصدر الشيخ راشد رحمه الله أمرا بنقلي من المعهد الديني الإسلامي وتعييني في منصب مدير دائرة الطابو.
وقد راجعته رحمه الله لإعفائي من هذا المنصب وهذه المسؤولية التي عجز عن أدائها العديد من المدراء ومساعديهم الذين سبقوني، ولكنه أصر وعملت في هذا المنصب وهذه الوظيفة الصعبة والشاقة التي لولا رحمة ربي ومساعدتي وإعانتي عليها لتركتها في أول أيامها من شدة ما جاءتني من قضايا ومشاكل ومنازعات كانت تقع بين الأهالي والملاك على الأراضي والأملاك التي يتنازعون ملكيتها، ولكن ولله الحمد استطعت أن أكون عند حسن ظن من وضعني في هذا المكان، وقد ختمت رحلة العمل في هذه الدائرة من غير أي مخالفة أو شكوى صدرت ضدي من أي كان لدى الحاكم أو أي من كبار المسؤولين في البلاد.
التسجيل البدائي
والتسجيل كان بطريقة بدائية، استمرينا لكن بتوسع أكثر، صدر إعلان لجميع المواطنين أن من يمتلك أرضاً عليه التقدم لدائرة الأراضي لاتخاذ الإجراءات القانونية وإذا ثبت صحة الأوراق سنكتب له صكاً للملكية ويعتمده الحاكم بنفسه. ونطلب وجود الشهود وتحديد الأرض وأبعادها، لأن معظم الأرض كانت خلاء، بعدها تخرج لجنة من جانب الحاكم لتأكيد صحة أقوال الشهود واللجنة من نفس مناطق التسجيل.
بعد أن نرفع التحقيقات للحاكم إذا اقتنع بها وقع عليها فتصبح وثيقة رسمية بعدها اتسعت أمور الدائرة من مجرد تسجيل إلى بيع وشراء وتسجيل رهون. قديماً كانت الخرائط تصدر من البلدية بعدها دائرة الأراضي هي التي تولت كل ذلك.
المنازعات المادية وهمومها
الأمور المادية هي الأكثر مشاكل بين الناس لذلك من يتولاها يتحمل ما بها من متاعب وبناء عليه وبعد فترة عملي اسند لي المغفور له الشيخ راشد الكثير من الأعمال الخارجة عن نشاط دائرة الأراضي فأسند لي قضايا قضائية بمراسيم واستمريت لفترة بلجنة أنا رئيسها وتقوم بدور البحث والتمحيص وأي قرار تصدره يعتمده الحاكم، وأهم قضايا حدثت نكسة في بيع وشراء الأراضي ودخل أناس يريدون أن يتلاعبوا بالأشياء وادعوا الإفلاس بعد أن أخذوا من الناس أملاكهم.
فقام المغفور له الشيخ راشد ولأنه يعرف الحقيقة بإصدار مرسوم بتشكيل اللجنة الأولى برئاستي لنحقق فيها، وصرنا نحاسب الشخص المدعي الإفلاس وجدنا أن منهم من أفلس فعلاً وآخرون استعملوا النصب وسيلة لادعاء الإفلاس وكشفنا الأمور وأصدرنا القرارات، واعتمدت واستمرت محاسبة هؤلاء ثماني سنوات عن طريق أربع لجان تشكلت في آن واحد واستمرينا ننظر في القضايا في آن وخلال الثماني سنوات.
اختصاص دائرة الأراضي
الشيخ راشد اعتمد طريقة في توزيع الأراضي جعل الدائرة مختصة بالأملاك الخاصة بالناس وتوزيع الأراضي يصدر من قبل سموه إلى بلدية دبي لاستخراج الأراضي الموزعة بخرائط من البلدية وكان دورنا بعد أن تخرج الخارطة تأتي إلينا لتسجيل الصكوك.
نحن مختصون بالأملاك الخاصة وتبيان حقيقة أن صاحبها يملكها أم يدعي ملكيتها. نحن دورنا قضائي لإثبات الملكية أم لا. والتوفيق منفعته للمالك المواطن لأننا بذلك نحفظ له حقه.
50
استدعاني يوماً صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وقال لي في مجلسه وأمام الحضور: كم سنة لك في الوظيفة يا عمر، فقلت له يا طويل العمر أنت أدرى، فقال أنت قل، فقلت له 50 عاما، ضحك وقال خمسون عاماً عملاً ولم يطلب التقاعد أين لنا بمثله.
أعدها للنشر ـ عبدالمنعم الشديدي
