«الكورة والملاعب، أخبار النجوم، أخبار الأدب، المال، البورصة، لغة العصر، العقارية، أخبار الحوادث»، وغيرها من عشرات الإصدارات للصحف المتخصصة في مصر باتت مؤشرًا على التطور النوعي للصحافة، بعد أن اكتسب هذا النوع من الصحافة أهمية بالغة منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي فالواضح أن تلك الإصدارات المتخصصة أثرت في السوق الصحافية.

وأكبر دليل على ذلك اتساع رقعتها بين الإصدارات الموجودة حاليًا، حتى أصبحت تجذب شريحة كبيرة من رجال الأعمال، عُشَّاق الرياضة، الفنون المختلفة، والاقتصاد، لكن إلى أي حد أثرت هذه الصحافة في القارئ؟

وما المستقبل الذي ينتظرها في ظل اختلاف الرؤى بين فريق يراه مضيئًا، وآخر يتوقع انهيارها في الغد القريب؟.. «البيان» ترصد وجهات النظر المختلفة حول نهر الصحافة المصرية وفروعه التي تحاول مقاومة سد مجاريها.

قراءة سريعة في أوراق الصحافة المتخصصة في مصر نجد صحف الحوادث هي الأوسع انتشارًا على الإطلاق؛ حيث يُقبل الجمهور عليها بنهم شديد لتعرضها لنشر أخبار الجريمة باستفاضة، عكس صفحات الحوادث اليومية التي تقدم الوجبة الصحافية في صورة أخبار فقط.

لكن القارئ دائمًا يميل إلى قصص الجرائم ويعيش معها، وعندما أدركت مؤسسة «أخبار اليوم» الصحافية ذلك كانت أول مَن كان له السبق في تخصيص جريدة أسبوعية للجريمة أطلق عليها اسم «أخبار الحوادث»، وبدأ هذا التقليد يزداد يومًا بعد يوم.

حتى قلَّدتها جريدة الجمهورية المصرية وخصصت ملحقًا أسبوعيًا أطلقت عليه «دموع الندم» الذي يساعد على زيادة نسب التوزيع بمقدار 25؟ عن الأعداد اليومية، ثم خاضت التجربة الصحف المستقلة التي سعت من وراء ذلك إلى زيادة حصيلة إعلاناتها، وكأن لسان حالها يقول: «مصائب قوم عند قوم فوائد»..

لكن الواضح خلال الفترة الأخيرة أن هذه الصحف مثل «أخبار الجريمة، الحوادث العربية، حوادث المشاهير، خلف القضبان، وجرائم اليوم» لم تعد تعتمد على الحصول على المعلومة من مصادرها، لكنها بدأت في التلصص على الصحف وسرقة الأخبار التي تُنشر بشكل يومي.

وتقوم بنسج حكايات من واقع الخيال يصوغها صحافيون من أجل زيادة مبيعات الصحيفة والضحك والاستخفاف بالقراء، ورغم ذلك ينجذب الناس إلى مثل هذه الصحف حتى وإن كانوا يعلمون تفاصيل الجريمة من واقع محاضر الشرطة.

ومن هنا يرى محمود صلاح، رئيس تحرير جريدة أخبار الحوادث الأسبوعية، وجمال عقل، المشرف العام على ملحق «دموع الندم» بجريدة الجمهورية أن بعض الصحف المتخصصة في الحوادث تقوم بنشر وعرض الأخبار بشكل سلبي دون أية محاولة من جانبها لتحليل أسبابها، ما يؤدي في النهاية إلى المساعدة في انتشارها.

ليس هذا فقط بل تقوم بإعطاء صورة خاطئة عن الحادثة من أجل زيادة المبيعات، وتتحوِّل بعد ذلك إلى قاضٍ، وتعطي لنفسها الحق في إصدار الأحكام، كما تسهل للمجرمين التعرف إلى الحيل التي يتخذها رجال الشرطة للقبض عليهم.

وأحيانًا تخلق من هؤلاء المجرمين أبطالاً، فتُحدث بذلك بلبلة في أفكار المجتمع؛ لذلك يطالبان بأن تقل الصحف التي تنشر عن الجريمة بأي شكل، خاصة أن الصحافة المتخصصة في الجريمة بدأت في الاستسهال بعيدًا عن الواقع الحقيقي.

مستقبل غامض للصحافة الفنية

أما الصحف الفنية التي تخصصت في الحوارات والأخبار والتحقيقات الفنية فتجذب شريحة أخرى من عشاق السينما والدراما والمتابعين لأخبار النجوم، لكنها رغم نجاحها في السنوات الخمس الماضية فإنها باتت تعاني من مشاكل جمة.

بسبب ميولها إلى بعض الفنانين عن غيرهم، واكتفائها بمقابلات وتعليقات سريعة تبعد عن العمق، وتفتقد الحد الأدنى من المهنية؛ بسبب أن أغلب العاملين بهذا النوع من الصحافة جاؤوا من الأبواب الخلفية لكونها أسهل أنواع الصحافة على الإطلاق.

لكن الملاحظ في الصحافة الفنية المتخصصة هذه الأيام على حد قول منى نشأت - رئيس تحرير مجلة «شاشتي» الفنية الصادرة عن مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر- أن بعض المطلقات والعاطلات تسللن إلى الصحافة والمجلات المتخصصة لعمل حوارات فنية.

دون أن يتسلَّحن بأقل القليل من المعلومة، سوى بعض الأسئلة المستهلكة مثل: ما دورك في مسلسل كذا؟ أو طبيعة الشخصية، أو ما رأيك في الدراما المصرية أو السورية، وآخر أخبارك الفنية؟ وهكذا تدور جميع حواراتها حول تلك الأسئلة التافهة.

لذلك افتقد صحافيوها المواجهة وكشف العيوب والنقد البنَّاء، وأصبح بعضهم يتصرَّف مع النجوم على أنهم من المعجبين حتى صارت تلك الصحف في مواقف حرجة؛ بسبب ركاكة الحوارات وضعف الأخبار، ما دعا عددًا هائلاً من النجوم إلى مقاطعة الصحف المتخصصة والمحلية أيضًا.

الصحف الاقتصادية

وإذا كانت الصحف المتخصصة في الجريمة أو الفن لم يوظفها القائمون عليها التوظيف الصحيح، فإن الصحافة الاقتصادية في مصر تطورت تطورًا هائلاً وتفوقت على نفسها بعد أن أصبحت تسعى إلى نشر كل ما هو متعلق بالمال، الاقتصاد، السنوات المالية، معدلات الفائدة، الإقراض، المخاطرة، المكافأة، أقساط التأمين، وبعض المصطلحات التي لا يفهمها إلا المتخصصون في هذا المجال.

خاصة رجال الأعمال، وتُعد «الأهرام الاقتصادي» التابعة لمؤسسة الأهرام من أولى الصحف الاقتصادية في مصر وأوسعها انتشارًا من بين عدد هائل من الصحف الاقتصادية والملاحق، منها العالم اليوم، المال، أموال، الاقتصادية، البورصة والبورصجية وغيرها من عشرات الصحف التي ظهرت اخيريً لكن هذه الصحف رغم كثرتها لاتزال تفتقر إلى غياب التخصص والتعمق.

رغم وجود 11 وزارة في مصر من الممكن أن تصنَّف كوزارات اقتصادية، وهذا ما يؤكده جابر القرموطي، الصحافي الاقتصادي.. مؤكدًا أن تلك الصحف الاقتصادية المتخصصة يعمل بها بعض المنشقِّين عن صحفهم القومية أو الحزبية.

منبر مناقشة

أما د. ماجدة عبدالمرضي، أستاذ الصحافة، والحاصلة على الدكتوراه في رسالة موضوعها «مستقبل الصحافة المتخصصة في مصر»، فأكدت أن الصحافة المتخصصة ليست مجرد نقل للمعلومات، لكنها تعني منبرًا للمناقشة، ونشر الأفكار والمبتكرات.

ونقل الخبرات، ومن الطبيعي أن تتنوع المواد التحريرية التي تقدمها الصحف المتخصصة، كذلك الصفحات المُلحقة بالصحف العامة أيضًا كالجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية، وذلك بتنوع مجالات التخصص التي تنصبُّ على فروع المعرفة كلها في جوانب الحياة.

وعن ظهور القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية المتخصصة وتأثيرها في الصحف المتخصصة، تؤكد أن هذه الأنواع من الصحف تسعى دائمًا إلى البحث عن فئات معينة من الجمهور لا يمكن - بأي حال من الأحوال - أن تتركها، بل تعد هذه الأسباب والتأثيرات - التي تبدو سلبية - فرصًا إيجابية لنمو الصحف المتخصصة وازدهارها مستقبلاً.

حيث إن الوضع المستقبلي المحتمل للصحافة المتخصصة يتم على مجموعة من المستويات، أهمها المضمون، وما تحتويه كل صحيفة من أخبار جادة وحوارات مميزة.

سواء من ناحية تقديم هذه المادة الصحافية في صورة صحف متخصصة، أم في صورة ملاحق، أم أبواب متخصصة في الصحف العامة.أضافت أنه لا بد من وجود مضامين جادة ومتوازنة، وتستهدف قراءً مختلفين في درجة استيعابهم .