«.. وجاء في التقرير الذي نشرته اليوم صحيفة البيان الاماراتية..».. وكتب (فلان الفلاني) في صفحة آراء وأفكار الصادرة اليوم في صحيفة البيان..»، عبارات باتت شائعة على مواقع الانترنت الاخبارية أو المنتديات في العالم العربي شيوعا هائلا ومؤثرا لا ينقصه الا كلمة واحدة اسمها «حقوق النشر».
ولا يقتصر الامر على صحيفة «البيان»، فكل الصحف العربية معرضة للاقتباسات، بالحد الأدنى، كي لا يقال «النسخ» من قبل مواقع الانترنت والمنتديات، التي يبدو أنها باتت تعتمد في طريقة عملها حصريا على المضمون التي تؤمنه الصحف.
وفي الوقت الذي تقرأ فيه هذا التقرير في الصحيفة الورقية التي بين يديك، أو على موقع صحيفة «البيان» على الانترنت، ستكون وصلات كثيرة قد تم ربطها بالموقع إلى جهات مختلفة.
لكن الحديث عن «حقوق ملكية» يبدو موضوعا جدليا في العالم العربي، كما انه غير محسوم، وغير محبب الخوض فيه (بوسعنا أن نقول إنه ليس على الموضة)، تماما مثل الحديث عن أصدقاء البيئة والانبعاث الحراري.
وفي الوقت الذي تسعى فيه مواقع الانترنت، إلى جذب المعلنين، فإنها تعتمد على التقارير المنشورة على المواضع الالكترونية للصحف، وتقوم بجذب قرائها للتعليق على المقالات، التي يتم تحوير بعض مقارباتها أحيانا لكي تكون «أكثر اثارة وتشويقا» بالنسبة إلى قراء الموقع.
ثم يتم تدوين عدد المترددين على الموقع والمعلقين على المواضيع في لوائح يتم عرضها على وكالات الاعلانات لجذب المعلن بحجة «سعة انتشار وأهمية المواد المنشورة على موقعنا».
بعض هذه المواقع يذكر، من باب «رفع العتب»، ربما المصدر الرئيسي أي اسم الصحيفة، فيما تغفل الغالبية هذا المصدر وتكتفي باسم الكاتب الصحفي (يجب الاشارة هنا إلى أن ملكية المضمون الصحفي تعود بالدرجة الأولى إلى الصحيفة الناشرة ثم إلى الكاتب بالدرجة الثانية وليس العكس)، أو أنها تتجاهل تماما ذكر أي مصدر.
ويفتح هذا النقاش الشائك حول حقوق الملكية بابا آخرا هو «غموض» القوانين، أو البنود المتعلقة في قوانين الاعلام في العالم العربي، والتي بوسعها أن تعطي لصاحب أي مضمون اعلامي الحق في مقاضاة أي موقع الكتروني يستخدم هذا المضمون من دون وجه حق.
يقول سهيل محمود، وهو محام متخصص في شؤون حقوق الملكية:«فيما تلحظ القوانين هذا الحق في ميادين مثل استخدام العلامة التجارية أو لون الشعار، أو حتى حقوق الشركات المنتجة للمضمون الترفيهي على الاقراص المدمجة، مثل الافلام والموسيقى، فإن مسألة قيام المواقع الالكترونية بنقل مضمون الصحف، لا تزال غير منظمة بالشكل اللائق».
ورغم ذلك يؤكد محمود أن «أصحاب الصحف لا يزال بوسعهم أن يلجأوا إلى قوانين معينة بوسعها أن تساندهم في مقاضاة القيمين على المواقع التي تنسخ مضمون صحفهم، في حال أرادوا ذلك، أو أن يبادروا إلى الاتصال بهذه المواقع لتسوية الموضوع بهدوء».
ولا تتعامل معظم الصحف حتى اليوم مع نقل الموقع الالكتروني لتقاريرها باعتباره أمرا «مرفوضا»، لكن جيم غاري، المتخصص في شؤون الاعلان الالكتروني يقول: «لا تزال الصحف في عالمنا مرتاحة إلى كون المواقع الالكترونية لا تشكل تهديدا بالنسبة إلى مصالحها الاعلانية، فهذه الأخيرة تحصل على حصة متواضعة جدا من الاعلان مقابل الحصة التي تحصل عليها الصحف.
لكن الأمر لن يبقى طويلاً على ما هو عليه، ولسوف يأتي الوقت الذي تتضاعف فيه حصة هذه المواقع على حساب تضاؤل حصة الصحف. حينها ستصدر الصحف صرختها وتطالب بحقها من المواقع التي تستغل مضمونها لجذب القراء والمعلن من دون أن تدفع كلفة ذلك».
ويقول أحد القيمين على موقع معلوماتي في الامارات (فضل عدم الكشف عن اسمه)، معروف بأنه يقوم بتجميع التقارير التي تنشر في أكثر من 16 صحيفة عربية يوميا، وتغيير عناوينها لكي تصبح اكثر «اثارة».
أن الصحف هي المستفيدة من ذكر اسمها في المواقع والمنتديات الشعبية، فذلك يساهم في وضعها تحت الضوء بشكل دائم، واذا أقدمت الصحف على منع مواقع الانترنت من استخدام مضمونها، «فستكون هي الخاسرة من دون شك».
ويجادل في القول:» لماذا يطالبوننا بحقوق من الإعلانات التي نجنيها، وهي تكاد لا تساوي شيئا مقارنة بما يحصلون عليه، ولا يكون بوسعنا أن نسألهم عن تكلفة ذكر أسمائهم طوال الوقت على صفحاتنا مجانا».
وفي الوقت الذي يبدو فيه هذا الملف مفتقرا إلى «السخونة» (حتى اليوم) في منطقتنا، فإن قضايا مثيلة بين الصحف والمواقع الالكترونية في الغرب قد بلغت من التأزم الحد الذي دخلت فيه أروقة المحاكم.
وبرزت في الأسابيع الماضية بشكل خاصة أزمة كبيرة اندلعت في الولايات المتحدة الأميركية، وتحديدا في ولاية كولورادو، بين ثلاث شركات نشر كبرى، تمتلك 183 صحيفة تصدر في الولاية، وبين موقع الكتروني رائج يقوم بنشر فقرات من التقارير الواردة في هذه الصحف، ويجذب مئات التعليقات من القراء، وكذلك يعتبر موقعا مغريا بالنسبة إلى المعلن.
وقد قامت، بالفعل، كل من «مجموعة ميديا نيوز» (تنشر 54 مطبوعة من بينها دينفر بوست) و«فريدوم للاتصالات» (تنشر 100 مطبوعة من بينها ذا غازيت) و«سويفت للاتصالات» (تنشر 29 مطبوعة من بينها 12 في الولاية) بتوجيه رسالة قانونية من محامي تحالف هذه الشركات إلى الموقع الاكتروني «كولورادو بولز».
جاء فيها: «نطالبكم فورا بالكف عن استخدام المضمون الذي تنشره أي من مطبوعاتنا، فقد بلغ تماديكم في نسخ فقرات كاملة من مطبوعاتنا شكلا وقحا لا يمكن السكوت عنه».
وجاء في الرسالة التي تلقاها القيمون على الموقع في 21 مايو الماضي ما يلي:«من الواضح أن نظام عملكم بأكمله يستند إلى نسخ المجهود الكبير الذي تبذله صحفنا، بل مؤسسات اعلامية أخرى مثل نيويورك تايمز وسي أن أن ووكالة الصحافة الأميركية».
في المحصلة توقف الموقع الالكتروني عن الاستعانة بأي مضمون من المطبوعات ال183 التابعة للشركات الثلاث، ونشر على صفحته الأولى تفسيرا لقرائه مصحوبا بتفنيد موسع لنص الرسالة مع بعض السخرية من اتهامات شركات النشر له بالتعدي على حقوقها: «لا يمكن لأحد أن يتهم بسرقة أي شيء متاح أصلا للجميع.
دبي ـ رولا علي
