قبل حوالي 35 عاما عُرض فيلم «الفك المفترس» للمخرج السينمائي الأميركي ستيفين سبيلبرغ في أكثر من 400 دور سينما بالولايات المتحدة، محطما رقما قياسيا غير مسبوق، وكان بمثابة تأريخ لعهد جديد من الأفلام ذات الإنتاج السينمائي الضخم. ويختلف تقييم مثل هذه النوعية من الأفلام، وما إذا كانت هبة أو محنة، بحسب المتلقي وحالته المزاجية.

أحداث الفيلم تدور حول سمك القرش الميكانيكي، الذي يتسبب في مشكلات كثيرة لبطل الفيلم البحار وطاقم السفينة. ينقلنا الفيلم بين عدد من مشاهد الإثارة والمغامرات، وتتجه الأحداث ببطء نحو الذروة، عبر وسائل رعب تقليدية.فيلم «الفك المفترس» أظهر حقيقة بديهية، وهي أن جمهور السينما أصبح عاشقا لأفلام الإثارة حتى في موسم الصيف. وجميع أنماط هذه الأفلام، سواء كانت كوميدية، أو مغامرات، أو كرتونية، أو تمتلئ بمشاهد العنف والإبهار، تلقى شعبية كبيرة وتحظى بحصة الأسد من جانب النقّاد.وفي الحقيقة، فإن أي فيلم يحتوي على عناصر استثنائية مثيرة للجدل، كفيلم «الإمبراطورية» للمخرج «آندي وارهول»، يعتبر فيلم إثارة، وذلك على اعتبار أنه يحتوي على أحداث، أو أجسام، تتحرك في الفراغ. ويكمن جوهر العمل السينمائي، ليس فقط في قدرة الكاميرا على تسجيل أحداث العمل، بل أيضا في استحضار صور أو مقاطع خيالية أمام المشاهد.

فلا شك أن التقنيات الحديثة في الآلات السينمائية والمؤثرات البصرية، وتقطيع وتركيب قصاصات الفيديو والتصوير، أتاحت لمنتجي الأفلام تسخير القواعد الفيزيائية. يستطيع عشاق السينما بفضل هذه التقنيات مشاهدة اندفاع دبابة في عنان السماء أو إسقاط طائرة أو سمك القرش يلتهم قاربا في البحر.

وربما يتوق عشاق هذا النمط من الأفلام إلى مشاهد سريعة الحركة مصحوبة باندفاع المؤثرات الصوتية والأحداث المتلاحقة، إلا أن تقييمهم للعمل قد يتسم أحيانا بقدر من التحيز.

فلا يعبأ المشاهد بقصة العمل، أو الشخصيات، أو الجوانب العاطفية، ولكن كل ما يشغله البنية الجسدية والأسلحة والمركبات، أو إذا كان العمل يتضمن مخلوقات غريبة أو وحوشا.

فقط يتعين على المخرج تنظيم كل هذه العناصر في إطار درامي مثير. ومن وجهة نظر مخرج العمل، فإن تصور الفكرة وتنفيذها في سياق مناسب يأتي على رأس أولوياته، برغم أن ذلك يتطلب جهدا مضنيا.

ويجد منتجو ومخرجو هذه الأنماط السينمائية أنفسهم أمام معادلة صعبة، وهي كيف يمكن تقديم فكرة لم يسبقهم إليها أحد، بحيث تحرك المشاعر وتأخذ العقول وتمتع الأنظار.

بالطبع، فإن كل هذه الأمور تتعلق في الأساس بوضعية الكاميرا أثناء تصوير المشاهد، وتقنيات المونتاج والتوقيت. وهي في الوقت نفسه أمور لها أبعاد مالية مرتبطة بالميزانية المرصودة لإنتاج العمل.

والآن وبعد مرور أكثر من خمس وثلاثين عاما على إنتاج «الفك المفترس»، أظهر الفيلم مدى الإمكانيات البدائية والبسيطة التي أنتج بواسطتها مقارنة بمستوى الأعمال الحالية.

هشام فتحي