خرجت مجموعة من الشبان يرتدون السراويل الفضفاضة والقمصان الضيقة والأحذية الرياضية الخفيفة إلى الشارع يتناوبون القفز الدائري في الهواء من نوافذ الطابق الثالث في مركز تجاري في لوس أنجلوس، حيث ظلوا يقفزون من طابق إلى طابق، وينفذون حركات بهلوانية دائرية في الهواء قبل أن يستقروا على الأرض في صحن المبنى من خلال لعبة أو رياضة جديدة يسمونها «باركور».
وتتلخص فكرة هذه الرياضة في أنها تجمع بين حركات الجمباز والقفز، وتركز على الانتقال من نقطة إلى أخرى بكل الطرق اللازمة. وإذا لم تكن تسمع بهذه الرياضة حتى الآن فإن اسمها مشتق من الكلمة الفرنسية باركور وتعني الطريق، وربما تكون شاهدت شيئا مشابها لها في مقدمة فيلم «كازينو رويال» وهو أحد أفلام جيمس بوند الذي تم إنتاجه عام 2006.
وحديثا أنتجت استوديوهات ديزني فيلم «برنس اوف بيرشيا»، (أمير بلاد فارس). ويحتوي الفيلم على مشاهد بهلوانية، يظهر فيها الممثلون في حركات قتالية وهم يتسلقون الجدران ويسيرون عليها، ويقفزون من فوق الأسطح، في حركات مشابهة لرياضة باركور.
وتقوم اللعبة التي تأسست في فرنسا في نهاية التسعينات على الجري في إطار مسار محدد، والتعامل مع كل العوائق التي تظهر خلال ذلك بأكبر قدر ممكن من الكفاءة. ويطالب البعض بوجوب تسمية اللعبة «الجري الحر».
وقد انتقلت من فرنسا إلى بريطانيا ومنها إلى الولايات المتحدة في أوائل الألفية الجديدة. ورغم أنها رياضة غير معترف بها رسميا فإن بعض الممارسين لها يعتقدون أن الاهتمام بها يتزايد ليس فقط كرياضة لياقة بدنية، بل كرياضة شاملة، وأنه سيتم الاعتراف بها إن لم يكن هذا العام ففي العام الذي يليه.
يقول مارك توروك، وهو مدرب لياقة بدنية في واشنطن، في هذا الصدد أعتقد أن رياضة باركور ستصبح أكثر أهمية من رياضة التزلج بالألواح «سكيتبوردنج»، لا بل ستصبح رياضة هائلة. وأسس توروك منتدى على الإنترنت لعشاق باركور في العام 2005 سماه منتدى باركور الأميركية.
ويشير إلى أن رياضة التزلج يصل حجم التعامل فيها إلى نحو خمسة مليارات دولار برغم أنها لا تناسب إلا الذين يستطيعون التزلج. أما باركور فسيكون بإمكان أعداد كبيرة من الناس، وحتى المتقدمين في العمر، ممارستها إذ لا تحتاج غير الحذاء الخفيف.
ويوضح توروك أن رياضة التزلج بالألواح ظهرت في الستينات تقليدا لرياضة التزحلق على الماء، ولكنها لم تصبح كما نعرفها الآن إلا في الثمانينات والتسعينات. واستغرقت رياضة التزحلق على الجليد نصف هذا الوقت لتصبح رياضة أولمبية. والشيء التالي المشابه لذلك هو باركور.
وتعود الأصول التاريخية للعبة باركور عندما قدم رايموند بيل، وهو جندي في الجيش الفرنسي، ابنه ديفيد بيل للتدريب العسكري. وكان هذا الابن مارس نشاطات بدنية أخرى مشابهة مثل الجمباز وبعض الفنون القتالية. حاول ديفيد أن يضع ما تعلمه من مهارات في قالب يمكن من خلاله الاستفادة منها عملياً، وبمرور الوقت ومشاركة ما تعلمه مع الآخرين تطورت مهارات ممارس الباركور كما تطورت قدراتهم.
وتعد فلسفة الباركور، التي يجهلها الكثير، جزءاً لا يتجزأ من هذا الفن. ذلك أن إتقان مهارات هذه الرياضة وحركاتها تفضي في النهاية إلى القدرة على التغلب على المخاوف والآلام، ومن ثم نقل ذلك وتطبيقه في أوجه الحياة المختلفة. كما أن ممارس الباركور ينبغي عليه أن يتعلم كيف يتحكم بعقله بالطريقة التي تمكنه من التمكن من فنون اللعبة.
بالإضافة إلى ذلك تعد حرية ممارسة الباركور من قبل أي شخص وفي اي مكان وزمان إحدى سمات فلسفته. ولذلك أصبحت له قوة ثقافية كبيرة في أوروبا. في الوقت الذي ما زال ينتشر في دول العالم الأخرى.
